• تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط

Warning: Parameter 1 to modMainMenuHelper::buildXML() expected to be a reference, value given in /srv/disk6/769870/www/drmasri.atwebpages.com/libraries/joomla/cache/handler/callback.php on line 99
الرئيسية حوارات البيع بسعر السوق

البيع بسعر السوق

إرسال إلى صديق طباعة PDF

البيع بسعر السوق

الأصل في البيع أن يكون السعر متفقًا عليه في العقد، أي معلومًا للمتبايعين، منعًا للنزاع بينهما، وتحقيقًا لمبدأ التراضي في البيع، إذ لا يمكن أن يتم التراضي بدون معرفة السعر للطرفين. فهل يمتنع النزاع ويتحقق التراضي أيضًا إذا تم البيع بسعر السوق، بدلاً من البيع بسعر اتفاقي؟ وتجدر الإشارة منذ البدء إلى أن سعر السوق إذا كان معلومًا للطرفين، واتخذ سعرًا للعقد، فهذا جائز عند الجميع، لأنه عندئذ هو في حقيقته سعر اتفاقي.

ويلاحظ أن السعر في حالة البيع بسعر اتفاقي هو سعر خاص، والسعر في حالة البيع بسعر السوق هو سعر عام، وهذا مصطلح استخدمه ابن تيمية كما سيأتي. ويلاحظ أيضًا أن كلامنا عن البيع بسعر السوق (سعر المثل) ينطبق على الإجارة بسعر السوق (أجر المثل)، لأن الإجارة بيع، وينطبق على الأجر ما ينطبق على الثمن.

إن مسألة البيع بسعر السوق لها أهمية أخرى، وهي أنها تساعد على فهم أوضح لمسألة بيع الاستجرار، وتعدّ تمهيدًا مناسبًا لها، ولم تتعرض الموسوعة الفقهية الكويتية للبيع بسعر السوق، بل دمجته مع بيع الاستجرار، وكأنهما شيء واحد. وربما فعلـت الموسوعة ذلك بسبب تداخل المسألتين في البحوث المقدمة إليها. وكذلك فعل الصديق الضرير في كتابه "الغرر وأثره في العقود"، إذ دمج بيع الاستجرار مع البيع بسعر السوق، في متن الكتاب، وإن أظهر اللفظين في قائمة محتويات الكتاب. وكان من الأنسب في نظري أن تفرد له مادة خاصة، تراعي عدم التداخل والتكرار بينه وبين بيع الاستجرار. ثم إن جواز البيع بسعر السوق أهون بكثير من جواز بيع الاستجرار، لأن إشكالات هذا البيع الأخير أكثر عددًا. وكلام بعض العلماء يوحي كأن البيعين واحد.

لقد تعرض الفقهاء للبيع بغير ذكر ثمن، فمنعه الجمهور وأجازه البعض، مثل ابن تيمية وابن القيم. فابن تيمية في كتابه "قاعدة العقود" (نظرية العقد) يقول: "بجواز البيع والإجارة بلا تقدير ثمن وأجرة، بالرجوع إلى السعر المعلوم والعرف الثابت (...). وعلى هذا عمل المسلمين دائمًا، لا يزالون يأخذون من الخباز الخبز، ومن اللحام اللحم، ومن الفامي (البقال) الطعام، ومن الفاكهي الفاكهة، ولا يقدرون الثمن، بل يتراضيان بالسعر المعروف، ويرضى المشتري بما يبيع به البائع لغيره من الناس، وهذا هو المسترسل، وهو الذي لا يماكس، بل يرضى بما يبتاع به غيره، وإن لم يعرف قدر الثمن. فبيعه جائز إذا أنصفه، فإن غبنه فله الخيار (...). فإن الله (...) لم يشترط في التبايع إلا التراضي، والتراضي يحصل من غالب الخلق بالسعر العام، وبما يبيع به عموم الناس أكثر ممن يماكس عليه، وقد يكون غبنه. ولهذا يرضى الناس بتخبير (الاعتماد على خبير كما اقترح الدكتور محمد عمر زبير في جلسة الحوار هذه) الثمن أكثر مما يرضون بالمساومة، لأن هذا بناء على خبرة المشتري لنفسه، فكيف إذا علم أن عامة الناس يشترون بهذا الثمن ؟ فهذا مما يرضى به جمهور الخلق.

ومن قال: هذا بيع باطل فقوله فاسد، مخالف للنص وللقياس وللمعقول, وليس هذا من الغرر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، بل قد ثبت في الصحيح أنه اشترى من عمر بعيره، ووهبه لعبد الله بن عمر، ولم يقدر ثمنه.

وهب أنهما لم يرضيا بثمن مقدر، فهما على اختيارهما، إن تراضيا بثمن مقدر، وإلا ترادّا السلعة، كما يقولون في الهبة المشروط فيها الثواب، والهبة المشروط فيها الثواب معاوضة عند الفقهاء (...).

وأما المنصوص عن أحمد الذي اتبع فيه عمر فقياسه أن المعاوضة تصح بغير تقدير العوض. ثم إن تراضيا بعوض وإلا ترادّا. وإن فاتت العين فالقيمة. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: إذا اختلف البيّعان ولا بينة بينهما، فالقول ما قال البائع أو يترادّان البيع.

وذلك لأن اختلافهما يمنع تقدير العوض، فكأنه بيع لم يقدر فيه العوض، والبائع يقول: لا أرضى أن أبيع إلا بكذا، فإن رضي المشتري به، وإلا فلا بيع بينهما. ولو كان البائع يرضى بالثمن القليل لم يكن اختلاف أصلاً " (نظرية العقد، ص 165- 166)، أي لو رضي البائع بالثمن القليل وتسامح لم يقع خلاف بينهما أصلاً.

"وهكذا إذا فوض في هبة الثواب العوض إلى الواهب، فإذا أعطاه القيمة فقد أنصفه، وإن لم يفوض إليه، بل شرط الثواب مطلقًا، فهنا لم يتبين أنه يرضى بالقيمة. فإن تراضيا بعد ذلك، وإلا كان له الفسخ، وهذا بعينه هو البيع بغير تقدير الثمن. فإن تراضيا بالثمن وإلا فلهما الفسخ" (نفسه، ص 171).

"فدلّ هذا على جواز البيع بثمن المثل (...)، لأن هذا رضي بما يرضى به الناس في العادة. ورضاه بهذا أبلغ من رضاه بما يتفقان عليه من غير أن يعلم السعر عند الناس، لأن هذا يدخل فيه الغبن والغش، بخلاف التبايع بالسعر، فإنه لا غبن فيه ولا غش" (نفسه، ص 171- 172).

"وذلك أنه لو وكل وكيلاً يشتري له شيئًا جاز، وكذلك إذا وكله ليبيعه له، وإن لم يعين الثمن لواحد منهما، ويجوز الشراء والبيع بثمن المثل بالاتفاق، وكذلك في سائر المعاوضات. وذلك لأن الموكل رضي بخبرة الوكيل وأمانته، والمشتري بتخبير الثمن قد رضي بأمانة البائع، وكذلك يرضى بخبرته أكثر مما يرضى بخبرة الوكيل، لأن البائع يشتري لنفسه، والوكيل يشتري لغيره، واجتهاد التاجر لنفسه أبلغ في العادة من اجتهاد الوكيل لموكله. ولهذا جرت عادة الناس أن يرضوا بالبيع بتخبير الثمن أكثر مما يرضون بالمساومة، لأنه في تخبير الثمن يكون قد رضي بخبرة التاجر البائع وشرائه لنفسه، وهو أبلغ مما يوكله وهو تاجر يشتري لنفسه ليربح، فلا يشتري في العادة إلا بثمن المثل وأنقص. فلهذا جرت عادة الجاهلين بالقيم أن يشتروا بتخبير الثمن، بخلاف المساومة فإنما يعود فيها إلى خبرة نفسه، وإذا كان جاهلاً بالقيم لم يكن له خبرة يرجع فيها إلى نفسه، فيغبن. ولهذا يرضى الناس أن يشتروا بالسعر الذي يشتري به عامة الناس دون المساومة لهذا المعنى. ولهذا إذا باع الوكيل، أو الولي، بالسعر العام، نفذ تصرفه (...)، ولو باع أو ابتاع بخبرة نفسه، وخالف السعر العام، كان مخالفًا" (نفسه ص 222-223، وانظر إعلام الموقعين لابن القيم 4/6، وبدائع الفوائد 4/50).

الخلاصة أن ابن تيمية يرى جواز البيع بسعر السوق، ويستدل له بأدلة نقلية وعقلية. من الأدلة النقلية حديث عمر وابن عمر، ومن الأدلة العقلية:

1- الحاجة والعرف والتعامل وعموم البلوى.

2- البيع بسعر اتفاقي بالمساومة قد يؤدي إلى غبن المشتري، ولاسيما إذا كانت معلوماته عن السلع وأسعارها ضعيفة.

3- قد يقال إن السعر الاتفاقي أدعى إلى الرضا لأنه معلوم، أما السعر السوقي فقد يفاجأ به المشتري ويكون مرتفعًا، ولكن هذا المحذور يزول بإمكان فسخ العقد، حسب ابن تيمية.

4- إن من يشتري بخبرة جمهور الناس أفضل ممن يشتري بخبرته وحده فقط.

5- إن من يشتري أو يبيع بخبرة الوكيل وأمانته، دون تحديد سعر، جائز، فلماذا لا يجوز أن يشتري أو يبيع بخبرة البائع وأمانته، لاسيما وأن اجتهاد البائع لنفسه أبلغ في العادة من اجتهاد الوكيل لموكله؟

6- يجوز اشتراط الثواب في الهبة دون تحديده، فلماذا يفوض الثواب إلى الموهوب له، ولا يفوض الثمن إلى البائع أو إلى السوق؟

وفي سوق المنافسة، بخلاف سوق الاحتكار، لا يتحكم البائع أو المشتري بالسعر، أي لايصنع السعر، بل يأخذ السعر من السوق ، فلا يحدث نزاع، لأن سعر السوق خارج عن إرادة الطرفين. وهنا يمكن التساؤل عما إذا كان يجوز البيع بالسعر الذي يبيع به البائع إلى الغير، حتى في حالة الاحتكار. هذه المسألة ذكرها ابن تيمية في النص المنقول عنه وأجازها. وتختلف هذه المسألة عن البيع بسعر السوق في أن البائع فيها هو الذي يحدد السعر الذي يأخذه من زبائنه، أما البيع بسعر السوق فالسعر فيه يتحدد حسب السوق، لا حسب البائع.

ومن البدهي أن البيع بسعر السوق لا يصلح إلا في السلع المثلية، أما السلع القيمية فسعرها يختلف من سلعة إلى أخرى، وليس لها سعر سوق كالسلع المثلية المتجانسة. وقد يلجأ الباعة إلى تمييز سلعهم المثلية لرفع سعرها وعدم تمكين المشتري من مقارنتها بغيرها ومعرفة سعرها السوقي الحقيقي. وإباحة البيع بسعر السوق لا يعني ضرورة الأخذ به.

ويجب أن نفترض في البيع بسعر السوق أن للسلعة المبيعة سعرًا سوقيًا لايتفاوت. أما إذا كانت أسعارها كثيرة ومتعددة ومتفاوتة، فإن البيع بسعر السوق لايصلح لهذه الحالة، لأنه يؤدي إلى التنازع بين المتبايعين، فالبائع يريد سعرًا مرتفعًا، والمشتري يريد سعرًا منخفضًا.

ويجب أن نعلم أن الخلاف الفقهي بين العلماء إنما ينصب على الحالة التي يكون فيها سعر سوق لايتفاوت. أما الحالة التي يكون فيها سعر سوق مختلف فليست هي موضع خلاف بين العلماء، ولا أحد يجيزها، لا ابن تيمية ولا غيره.

رأي العثماني

يقول محمد تقي العثماني: "الذي يظهر لي بعد مراجعة كلام الفقهاء وأدلتهم في هذا الموضوع أن الأشياء على قسمين:

1- قسم تتفاوت أسعاره بتفاوت الآحاد، ولا يمكن تحديد سعرها بمعيار منضبط معلوم، فمن التجار من يبيعه بـ 10 مثلاً، ومنهم من يبيعه بأقل أو أكثر. فالذين ذهبوا إلى حرمة البيع بسعر السوق إنما أرادوا المنع في مثل هذا القسم من المبيعات، لأن سعر السوق إذا لم يكن معلومًا للمتبايعين في مثل هذه الأشياء اصطلاح غير مستقر، فيبقى الثمن مجهولاً بجهالة تفضي إلى النزاع.

2- ولكن هناك قسمًا آخر من المبيعات، وهو الذي لا تتفاوت آحاده ولا تتفاوت أسعاره، وإنها تنضبط بمعيار معلوم يعرفه كل أحد، ولا يحتمل أن يقع الخطأ أو النزاع في تطبيقه. والذين ذهبوا إلى الجواز إنما أرادوا هذا القسم،لأن ذكر مثل هذا المعيار المضبوط يقوم مقام ذكر الثمن، فليس فيه جهالة تفضي إلى النزاع. وإلى هذا المعنى يشير الإمام المحقق ابن الهمام رحمه الله حيث يقول: مما لا يجوز البيع به: البيع بقيمته، أو بما حلّ به، أو بما تريد أو تحب، أو برأس ماله، أو بما اشتراه، أو بمثل ما اشترى فلان، لا يجوز (...). وكذا لايجوز بمثل ما يبيع الناس، إلا أن يكون شيئًا لايتفاوت كالخبز واللحم" (أعمال الندوة الفقهية الثانية لبيت التمويل الكويتي، 1410 هـ=1990م، ص 265، أو كتابه: بحوث في قضايا فقهية معاصرة، ص 63؛ وفتح القدير 5/467؛ وحاشية ابن عابدين، طبعة دار الفكر، 4/529).

مناقشة العثماني

الحقيقة أن القسم الأول لا يجيزه أحد، وليس هو من باب البيع بسعر السوق، لأنه ببساطة لا يوجد سعر سوق. والقسم الثاني لا يجيزه كل أحد، إنما يجيزه البعض فقط، وهو موضع الخلاف في البيع بسعر السوق، وكلام العثماني يفيد أن الفقهاء جميعًا يجيزونه! وهذا مناقض لما قاله من أن الأئمة الأربعة لا يجيزون بيع الشيء بسعر السوق، أو بسعر المثل، أو بالرقم، إلا إذا كان معلومًا للمتبايعين في المجلس (بحوث في قضايا فقهية معاصرة، ص 63). وقد سبق أن بينا أعلاه أن البيع هنا في حقيقته بيع بسعر اتفاقي، لأنه معلوم للطرفين.

والفقهاء المانعون يمنعون القسم الثاني، أما القسم الأول فهو ممنوع عند الجميع، وليس عند المانعين فقط. ويمكن تصحيح عبارة العثماني كما يلي: "والذين ذهبوا إلى حرمة البيع بسعر السوق إنما أرادوا المنع في القسم الثاني، وكذلك الذين ذهبوا إلى الجواز". وقد ذكر العثماني هذا التقسيم بالاعتماد على نصوص الحنفية، وما قالوه صحيح، وهم يلتحقون بذلك بالقائلين بجواز البيع بسعر السوق، أما ما قاله هو تعليقًا على هذه النصوص ففيه إيهام بأن سعر السوق إذا كان منضبطًا وجب أن يكون جائزًا عند الحنفية وغيرهم.

رأي الضرير

يقول الصديق الضرير: "لا يجوز البيع عند جمهور الفقهاء إذا قال المشتري للبائع: اشتريت هذه السلعة بسعر السوق (...) إذا لم يكن معروفًا لهما، وذلك لأن الثمن (...) مجهول وقت العقد، وهذا من الغرر الذي يمنع صحة العقد. وممن منع هذا البيع:

-          الحنفية، غير أنهم نصوا على جواز البيع بمثل ما يبيع الناس في الأشياء التي لا تتفاوت كالخبز واللحم.

-    المالكية، غير أنهم نصوا على جواز بيع الاستنابة (الصواب: الاستنامة) والاسترسال، وهو أن يقول الرجل للرجل: اشتر مني سلعتي كما تشتري من الناس، فإني لا أعلم القيمة، فيشتري منه بما يعطيه من الثمن، ولا فرق بين البيع والشراء في هذا.

-          الشافعية.

-          الحنابلة، وقد نصوا كالمالكية على جواز بيع المسترسل.

-    الجعفرية، إذ جوز ابن الجنيد منهم أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذه السلعة بالسعر الذي بعت به، وإن كان المشتري يجهل ذلك السعر (الغرر وأثره في العقود، ص 277).

مناقشة الضرير

قد يتعجب القارئ كيف يقول الضرير بأن البيع بسعر السوق غير جائز عند جمهور الفقهاء، ثم ينقل عنهم جوازه باسم بيع المسترسل، وبيع المسترسل عندهم هو بمعنى البيع بسعر السوق!

فالذي يبدو كأن البيع بسعر السوق جائز عند جمهور الفقهاء، بخلاف ما صرح به الضرير. لا أدري ربما يكون مصدر الخطأ هو عبارات الفقهاء، لكن كان يحسن بالضرير أن ينبه إلى هذا، ويكشف الإشكال. ويلاحظ أن ابن تيمية، في النص الطويل الذي نقلناه عنه من كتابه "قاعدة العقود"، لم يذكر أن جمهور الفقهاء يمنعون البيع بسعر السوق أو بيع المسترسل، بل يفهم من كلامه أن بعضهم يمنعه، ولعل مناقشته موجهة لهؤلاء البعض الذين يحيطون به.

مزايا البيع بسعر السوق

البيع بسعر السوق، أو بسعر ثابت، يبدو أفضل من البيع بسعر يساومه عليه، من حيث توفير الجهود والأوقات (الاقتصاد في تكاليف الصفقات) والاحتماء من احتمالات الغبن. ويلاحظ أننا عندما نريد شراء سلعة بالمساومة قد نلجأ أولاً إلى المحالّ التي تبيع بسعر محدد لا مساومة فيه، وذلك بقصد التعرف على السعر، ثم نحاول شراء السلعة من المحالّ التي تبيع بالمساومة، لاحتمال الحصول على ثمن أرخص من السعر المذكور.

ولو أراد أحد شراء عدة سلع من محل واحد، وبدأ المساومة في السلعة الأولى، فإن البائع سيزيد في أسعار السلع الأخرى، كلما أبدى المشتري رغبة فيها، لكي يصل إلى السعر الذي يريده أو أكثر، وقد يكون هذا السعر أعلى من سعر السوق. وسعر المساومة لا يقدر عليه إلا خبير مطلع. فالمشتري قد يفضل الشراء بأسعار ثابتة، ولاسيما إذا كان يريد شراء أكثر من سلعة واحدة، وخبرته بالأسعار قليلة، وتزداد هذه الرغبة كلما زاد عدد السلع التي يرغب في شرائها.

هل يفسخ البيع إذا عُلم ثمن السوق ولم يتراضيا عليه؟

ذكر ابن تيمية أن المتبايعين إذا لم يرضيا بالثمن المقدر ترادّا البيع (السلعة والثمن)، أي فسخاه. وهذا يعني أن هناك فرقًا بين البيع بسعر الاتفاق والبيع بسعر السوق. ففي البيع الأول لا يفسخ البيع إلا إذا تراضيا معًا على الفسخ، أما في البيع الآخر فإن كلاً منهما يستطيع فسخ البيع إذا لم يعجبه ثمن السوق، بعد معرفته والعلم به.

وإني أرى أن في هذا إضعافًا للبيع بسعر السوق، تجاه البيع بسعر الاتفاق. فلا أرى الفسخ في واحد منهما لأي واحد من الطرفين، ما دام أنهما اتفقا على سعر السوق، ورضيا به، وهو سعر خارج عن كل منهما، لا يتحكم به أي منهما.

ولكن يمكن الاتفاق بين الطرفين في العقد على أن لكل منهما، أو لأحدهما، حق فسخ العقد إذا لم يرض بسعر السوق بعد انكشافه له. كما يمكن الاتفاق على عدم جواز الفسخ لأي منهما بعد معرفة السعر.

هل البيع بسعر السوق من قبيل بيع المسترسل؟

الاسترسال أو الاستئمان هو الاستنامة، ولهذا يسمى بيع المسترسل بيع الاستنامة أو بيع الاستئمان. وهو أن يطمئن المشتري إلى البائع ويثق به ويستسلم إليه، وهو جاهل بثمن السلعة، ولا يحسن المساومة والمماكسة.

ولعل هذا ينطبق على حبّان بن منقذ الأنصاري الذي كان يخدع في البيوع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا بايعت فقل: لا خلابة (لا خديعة)، ولي الخيار ثلاثة أيام (البخاري 3/85، ومسلم 10/176).

وقد نص ابن تيمية على أن المسترسل هو الذي يشتري بسعر السوق، أو بما يبيع به البائع غيره من الناس. وإذا أصرّ فقيه على أن هذا من باب بيع الاسترسال أو الاستنامة، إلا أن هذا الاسترسال يختلف تمامًا عن استرسال حبّان وأمثاله. وأرجح أن المسترسل لا يتضمن بالضرورة كل من يشتري بسعر السوق، أو بسعر الغير، فقد يكون واعيًا ويقظًا وراغبًا في التقليل من تكلفة عمليات البيع والشراء.

هل سعر السوق هو السعر الحالي أم المستقبلي؟

ذكرني الدكتور فداد عياشي الذي شارك في جلسة الحوار هذه بضرورة بحث هذه المسألة. يقول الصديق الضرير إن "سعر السوق الذي أجاز بعض الفقهاء البيع به، ونوافقهم على جوازه، إنما يعني سعر السوق في وقت البيع فقط، ولا يشمل البيع بسعر السوق في المستقبل، فإن هذا لاتجيزه قواعد الفقه الإسلامي، ولا أعلم أحدًا من الفقهاء أجازه (...). وواضح من كلام ابن القيم أن المراد السعر وقت العقد، لا السعر في زمن مستقبل" (الغرر وأثره في العقود، ص 291).

وإني أعتقد أنه لو اتفق المتبايعان على توريد دفعات محددة، في تواريخ معلومة، من قمح موصوف، بسعره يوم تسليم كل دفعة لجاز، ما دام عقد التوريد جائزًا. وهذا أفضل من أن يكون السعر سعر يوم التعاقد، ذلك أن التوريد يقوم على أساس الدفع في مقابل التسليم.

ومن البدهي أن يطبق هذا في الحالات التي يكون فيها سعر السوق لا يتفاوت. ويجب تحديد سعر سوق المكان الفلاني، وهل هو سعر الجملة أم نصف الجملة أم التجزئة... إلخ.

هذا في عقد التوريد، أما في عقد السلم فإن السلم بسعر السوق يوم التسليم، مع تعجيل الثمن، والحطيطة من السعر يوم التسليم، واختلاف الكمية المسلمة باختلاف السعر، لا يجوز لأنه يؤدي إلى ربا النسيئة، وهو معنى قول أبي سعيد الخدري: "السلم بما يقوم به السعر ربا"، وقد أوضحته في بحث سابق، فلا أعود إليه. ومن المهم هنا أنه امتنع لأجل الربا، ولم يمتنع لأجل أن سعر السوق هو سعر مستقبلي.

ويبدو أن ابن تيمية ، لدى حديثه عن البيع بالسعر، رأى أن سعر السوق هو السعر الحالي لا المستقبلي، حيث يقول: "أما إذا كان السعر لم ينقطع بعد، ولكن ينقطع فيما بعد، ويجوز اختلاف قدره، فهذا قد مُنع منه لأنه ليس وقت البيع ثمن مقدر في نفس الأمر، والأسعار تختلف باختلاف الأزمنة. فقد يكون سعره فيما بعد العقد أكثر مما كان وقت العقد. فأما إذا باعه بقيمته وقت العقد فهذا الذي نص أحمد على جوازه، وليس هذا من الغرر المنهي عنه" (نظرية العقد، ص 224).

ولكن ابن تيمية نفسه، في موضع آخر لدى حديثه عن السلم بالسعر، يقول خلاف ذلك: "لو أسلم مقدارًا معلومًا إلى أجل معلوم في شيء، بحكم أنه إذا حلّ يأخذه بأنقص مما يساوي بقدر معلوم، صح كالبيع بالسعر" (الاختيارات الفقهية، ص 131). والمقصود بأنقص مما يساوي قيمته وقت التسليم، أي السعر المستقبلي.

وقد رأى بعض العلماء أن لا تناقض في كلام ابن تيمية، فقد منع السعر المستقبلي في بيع المعين، وأجازه في بيع السلم . المهم هنا أن ابن تيمية لا يمنع أن يكون المقصود بسعر السوق هو السعر المستقبلي، خلافًا للضرير. وإني أرى أن الأخذ بالسعر المستقبلي في عقود التوريد مناسب ولا مأخذ عليه، بخلاف عقود السلم كما بينا، وليس ههنا محل مناقشة هذه المسألة. كما أن السعر المستقبلي له أهمية خاصة أيضًا عند الفقهاء الذين لا يشترطون وجود المسلم فيه عند العقد (رأي الحنفية)، بل يكتفون بأن يغلب الظن بوجوده عند التسليم (رأي الجمهور). فإذا لم يوجد المسلم فيه عند العقد فهذا يعني أن ليس هناك سعر حالي، بل سعر مستقبلي فقط. ومن يتمسك بالسعر الحالي في السلم عليه أن يقول بضرورة وجود السلعة في تاريخ العقد. والدكتور الضرير يكتفي بوجود السلعة في تاريخ التسليم (الغرر وأثره في العقود، ص 458)، فإذا كانت غير موجودة في تاريخ العقد فكيف يكون لها سعر سوق حالي ؟!

 

مدونــة د. رفيـــق المصري


Deprecated: Function eregi() is deprecated in /srv/disk6/769870/www/drmasri.atwebpages.com/modules/mod_random_image/helper.php on line 84

خيارات الصفحة

اضافة الموقع الى المفضلة
اضافة الصفحة الى المفضلة
طباعة الصفحة

بحوث ذات صلة

ترجمات ذات صلة

تحقيق / تحرير ذو صلة