• تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط
الرئيسية مقالات غير منشورة الدين أولاً أم النفس؟

الدين أولاً أم النفس؟

إرسال إلى صديق طباعة PDF
الدين أولاً أم النفس؟


مقدمة

كثر الكلام في السنوات الأخيرة عن القواعد والمقاصد حتى في نطاق الاقتصاد الإسلامي، فمن باحث يقترح الزيادة، وباحث يقترح إعادة الترتيب. وربما يكون ذلك من باب البحث الجاد الصادر عن أهله، وربما يكون من باب التسلية والعبث من باحثين غير مختصين، ولا يدركون خطورة الأمر. فالاستكثار من القواعد والمقاصد قد يؤدي إلى عكس المقصود، وقد لا يعدو أن يكون ضربًا من البحث عن أي عمل، جاد غير جاد لا يهم!

أقسم هذه الورقة إلى قسمين :
القسم الأول : عام.
القسم الثاني : خاص.

القسم الأول : القسم العام
المقاصد الخمسة عند الغزالي

عرّف الغزالي المصلحة بأنها جلب منفعة ودفع مضرّة، وفي الاصطلاح الشرعي يقول الغزالي في المستصفى : هي ( المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوّت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة ). فصار الترتيب :
1-    حفظ الدين.
2-    حفظ النفس.
3-    حفظ العقل.
4-    حفظ النسل.
5-    حفظ المال.

 
هل هي مقاصد أم ضروريات أم أصول أم كليات؟

تارة يستخدم العلماء لفظ ( المقاصد الخمسة )، وتارة ( الضروريات الخمسة )، وتارة ( الأصول الخمسة )، وتارة ( الكليات الخمسة ). لم أجد من ضبط هذا الأمر وحققه.

 
ما معنى الحفظ؟

جاء التعبير بـ ( حفظ الدين، حفظ النفس ... ). قد يكون الحفظ هو المطلوب على الأقل، ومن ثم تكون التنمية أو التمكين أو التقوية من باب أولى. هذه الملاحظة قد تكون أكثر فائدة عند الترجمة من العربية إلى الإنكليزية أو أي لغة أجنبية أخرى.

 
الغزالي لم يدافع عن ترتيبه

يقول الريسوني : ( الغزالي لم يعلل ترتيبه ولم يدافع عنه ).

 
الترتيب هل هو محل إجماع؟

يقول البوطي في ضوابط المصلحة : ( أجمع على ذلك المسلمون ). وقال في موضع لاحق من الكتاب نفسه : ( الترتيب بهذا الشكل بين الكليات الخمسة محل إجماع، ولا عبرة بقول من رأى تقديم حفظ النفس على الدين بدليل قوله تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم " التوبة 111 ).

يعلق الريسوني في كتابه ( نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي ) على البوطي قائلاً : ( أما الدكتور البوطي فقد تبنى ترتيب الغزالي وعلله من وجهة نظره، وبنى على ذلك ما بدا له من الأمثلة الفقهية. وكل هذا من حقه ولا غبار عليه، ولكنه جازف وتكلّف عندما قال : الترتيب بهذا الشكل بين الكليات الخمسة محل إجماع ).

لعل البوطي يقصد أن هناك إجماعًا من الأكثرية، أو شبه إجماع، ولم ير مخالفة من خالف مخالفة يعتدّ بها. والريسوني نفسه في نص له سأنقله في هذه الورقة قال بأن في المسألة ( شبه إجماع ). هذا من حيث العدد، أما من حيث الترتيب فلعل ثمة إجماعًا أوضح لاسيما من حيث تقديم الدين على النفس.

 
من رأى تقديم النفس على الدين

يقول الريسوني بأن الرازي في المحصول : ( لا يلتزم ترتيب الغزالي للضروريات الخمس، بل لا يلتزم فيها ترتيبًا واحدًا، فهو تارة يذكرها على هذا النحو : النفس، والمال، والنسب، والدين، والعقل. وتارة يذكرها كما يلي : النفوس، والعقول، والأديان، والأموال، والأنساب ).

أقول : لا أظن أن الرازي يريد الترتيب في كلامه، بدليل أنه جعل الدين في المرتبة الرابعة، ثم جعله في المرتبة الثالثة! ومن ثم فلا يمكن للريسوني وشابرا وغيرهما الاستناد إلى كلامه والتعويل عليه في الترتيب.

 
الآمدي يقدّم الدين ويدافع عن الترتيب
 
يقول الريسوني : ( أطال الآمدي في الدفاع عن تقديم حفظ الدين على حفظ النفس ... ونص صراحة على حصر الضروريات في الخمسة المذكورة ). لكنه تارة قدّم العقل على النسل، وتارة قدّم النسل على العقل.

أقول : قدّم وأخّر في الوسط، ولم يفعل ذلك في الطرفين. ويجب التأكد من تقديمه النسل على العقل، هل كان يقصده أم لا يقصده؟

 
الترتيب هل هو مسألة مذهبية؟

يقول وهبة الزحيلي في كتابه ( أصول الفقه الإسلامي ) : ( يرتب المالكية والشافعية هذه الأصول، أو هذه الضروريات الخمس على النحو الآتي : الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ويرتبها الحنفية على النحو التالي : الدين ثم النفس ثم النسب ثم العقل ثم المال ).

يعلق عليه الريسوني قائلاً : ( الحقيقة أن ربط ترتيب هذه الضروريات بالمذاهب الفقهية هو مجرد إقحام لا مسوّغ له، فالمسألة لا صلة لها أصلاً بالمذاهب ).

أقول : قد تكون لها صلة بالمذاهب غير الفقهية، فمن المتوقع من المعتزلة مثلاً أن يقدموا العقل على الدين. وهناك من أهل السنّة من يسلك سبيل المعتزلة بطرق خفية. ولا يبعد أن تكون الدعوة لتقديم النفس يراد منها فتح الباب للتقديم والتأخير، لكي يقدّم العقل على الدين! وتقديم العقل يعني في حقيقته إلغاء الدين، إذ يصبح الدين مجرد استئناس، مثله مثل الآراء البشرية!

 
الترتيب هل هو مسألة شخصية؟

يقول الريسوني : إن المسألة ( محض اجتهاد شخصي ). أقول : هي اجتهاد علمي، وبين أقوال العلماء فيها أشياء مشتركة، وربما تكون أكثرية العلماء على الترتيب الذي ذكره الغزالي. وعلى هذا فإن كلام الريسوني بأن المسألة محض اجتهاد شخصي فيه الكثير من التهوين لمسألة العدد والترتيب!

 
هل يمكن الزيادة في العدد؟

يقول ابن السبكي ( - 771هـ ) في كتابه ( جمع الجوامع ) : ( الضروري كحفظ الدين فالنفس فالعقل فالنسب فالمال فالعرض ). أي جعل الخمسة ستة، بإضافة ( العرض ).

أقول : ربما يكون ( النسب ) خطأ مطبعيًا صوابه ( النسل ). لكن ورد لفظ ( النسب ) أيضًا فيما نقله الزحيلي أعلاه عن الحنفية.

يقول الشوكاني في إرشاد الفحول : ( زاد بعض المتأخرين سادسًا وهو حفظ الأعراض، فإن عادة العقلاء بذل نفوسهم وأموالهم دون أعراضهم ).

أقول : قول الشوكاني يفيد أن ( العرض ) مقدم على ( النفس ) و ( المال ). أما ( العرض ) عند ابن السبكي فقد جاء في المرتبة السادسة الأخيرة. وهذا قد يوحي بعدم التعويل كثيرًا على العدد والترتيب في كلامهم. وقد يكون العدد والترتيب عند الغزالي هو الصحيح، وإن لم يدافع عنه، ربما رأى أنه غير محتاج إلى الدفاع.

يقول الريسوني : ( حصر الضروريات في هذه الخمسة، وإن كان قد حصل فيه ما يشبه الإجماع، يحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة ).

ويدعو في خاتمة كتابه إلى : ( إعادة النظر في حصر الضروريات في الخمس المعروفة، لأن هذه الضروريات أصبحت لها بحق هيبة وسلطان، فلا ينبغي أن نحرم من هذه المنزلة بعض المصالح الضرورية التي أعلى الدين شأنها، والتي قد لا تقل أهمية وشمولية عن بعض الضروريات الخمس، مع العلم بأن هذا الحصر اجتهادي، وأن الزيادة على الخمس أمر وارد منذ القديم كما رأينا. وحديثًا دعا الأستاذ أحمد الخمليشي ( في كتابه : وجهة نظر ) إلى جعل العدل وحقوق الفرد وحريته ضمن الضروريات من مقاصد الشريعة ).

أقول : لو صارت الكليات الخمسة : الدين، النفس، العقل، النسل، المال، العدل، حقوق الفرد، الحرية الفردية، لربما ظهر أن هذه الإضافات غير متجانسة مع أخواتها، كما أن الحمليشي لم يبين مراتب هذه الإضافات. ولعل الصواب أن تكون هذه الإضافات من باب التفريع على الكليات الخمسة، لا أن تكون قسيمًا لها. فالعدل وحقوق الفرد وحرية الفرد يمكن أن تكون جزءًا من الدين والنفس.

أقول أيضًا : إن الريسوني على الرغم من قوله بفتح باب الزيادة في العدد، إلا أنه لم يعط من عنده أي مثال لذلك! ربما يحتاج إلى طبعة جديدة ومزيدة من كتابه، أو كتابة كتاب جديد في الموضوع، بعد رسالته.

 
ما علاقة هذا الترتيب الخماسي بترتيب آخر ثلاثي؟

يقول البوطي : ( إن رعاية هذه الكليات الخمس يكون بوسائل متدرجة حسب الأهمية في ثلاث مراتب، وهي : الضروريات، فالحاجيات، فالتحسينيات ).

المسألة لا تخلو من غموض حتى عند الشاطبي.

 
القسم الثاني : محاولة شابرا

في ورقة لمحمد عمر شابرا عنوانها ( الرؤية الإسلامية للتنمية في ضوء مقاصد الشريعة ) باللغة الإنكليزية، نشر المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، البنك الإسلامي للتنمية، جدة، 2008م، 79 صفحة، رأى فيها ضرورة تقديم النفس على الدين، واقترح إضافة تفريعات على الكليات الخمسة، إذ فرّع على حفظ النفس :
1-     الكرامة والأخوة الإنسانية والمساواة الاجتماعية.
2-     العدل.
3-     السمو الروحي والأخلاقي.
4-     الأمن على الروح والمال والعرض.
5-     الحرية.
6-     التربية والتعليم.
7-     الحكم الرشيد ( الحوكمة ).
8-     سد الحاجات.
9-     التشغيل وتشغيل الذات.
10-    العدالة في توزيع الدخل والثروة.
11-    الزواج والتربية المناسبة للأولاد.
12-    التضامن العائلي والاجتماعي.
13-    الحد ما أمكن من الجرائم والانحلال.
14-    السلام الذهني والسعادة.

واقترح إضافة تفريعات أخرى إلى حفظ الدين :
( النظرة إلى العالم : التوحيد، الخلافة، الرسالة، الآخرة ).

وفرّع هذا الفرع إلى ثلاثة فروع :
1- القيم أو قواعد السلوك.
2- الدوافع الصحيحة.
3- التربية المعنوية والمادية.

وفرّع عن هذه الثلاثة خمسة فروع :
1-     العدالة، والحرية، والأمن على الأرواح والأموال والأعراض، والشرف، والكرامة، والقيام بجميع الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والصبر، والتوفير، والحذر، والتسامح، والرعاية المتبادلة، والأمانة ... إلخ. 
2-     إزالة الفقر، وسدّ حاجات جميع الناس، وتوفير فرص العمل وتشغيل الذات.  
3-     التوزيع العادل والأخوة الإنسانية.
4- تهيئة المناخ اللازم للأسرة الصالحة، والاستقامة، والتضامن العائلي والاستقرار السياسي.
5- دور الدولة.

وجعل هذه الفروع الخمسة سببًا للحكم الرشيد، والحكم الرشيد سببًا لحفظ النفس والعقل والنسل والمال.

وجعل هذا الحفظ سببًا للفلاح، فلاح الجميع.

واقترح ستة تفريعات على حفظ العقل :
1- نوعية عالية من التعليم الديني والعلمي بأسعار مقبولة في متناول الناس.
2- التركيز على المقاصد في تفسير النصوص.
3- تسهيلات المكتبة والبحث العلمي.
4- حرية التفكير والتعبير.
5- جوائز للأعمال المبتكرة.
6- التمويل.

ورأى أن هذه الفروع الستة تؤدي إلى ( توسيع آفاق المعرفة والقاعدة التقنية )، وهذا يؤدي بدوره إلى ( حفظ الدين والنفس والنسل والمال )، وهذا يؤدي بدوره إلى ( التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي )، وهذا يؤدي بدوره إلى ( الفلاح البشري ).

واقترح خمسة تفريعات على حفظ النسل :
1- التربية المناسبة والتنمية الفكرية.
2- الزواج وسلامة الأسرة.
3- سدّ الحاجات.
4- بيئة نظيفة وصحية.  
5- التحرر من الخوف والنزاع وفقدان الأمن.

ورأى أن هذه الفروع الخمسة تؤدي إلى ( حفظ النفس والدين والعقل والنسل والمال )، وهذا بدوره يؤدي إلى ( تنمية إنسانية مستدامة ).

واقترح خمسة تفريعات على حفظ المال :
1- التعليم، والبحث العلمي، وتحسين التكنولوجيا والإدارة.
2- الأمن على الأرواح والأموال والأعراض.
3- الحكم الرشيد.
4- حرية إقامة المشاريع.
5- إيجاد فرص العمل والعمل الذاتي.

ورأى أن هذه الفروع الخمسة تؤدي إلى أربعة فروع :
1- إزالة الفقر، وسدّ الحاجات، والتوزيع العادل.
2- التضامن الاجتماعي والثقة المتبادلة.
3- الادخار والاستثمار.
4- المعدل الأمثل للتنمية.

ورأى أن هذه الفروع الأربعة تؤدي إلى : ( حفظ الدين والنفس والعقل والنسل )، وهذا يؤدي بدوره إلى ( الفلاح ).

 
تعليق
  • كان من المستحسن أن يكون عنوان ورقة شابرا ( رؤية إسلامية )، وليس ( الرؤية الإسلامية ). ولو كان العنوان ( رؤية إسلامية للتنمية من خلال مقاصد الشريعة ) لكان أفضل، لأن الكلام عن التنمية جاء قليلاً في الورقة وتابعًا للمقاصد.
  • لا أوافقه على تقديم النفس على الدين في الحفظ، وفقًا للرازي، لاسيما وأن الرازي ربما لم يقصد ذلك، كما أسلفنا في التعليق عليه.
  • ذكر شابرا ( الضروريات والحاجيات والتحسينيات )، ولكنه لم يبين علاقتها بـ ( الدين والنفس والعقل والنسل والمال ).
  • لم يزد شابرا على الكليات الخمس، ولكنه زاد في فروعها، وهذا مستحسن.
  • في الكتاب سبعة رسوم توضيحية شرحها شابرا في الكتاب، وربما لم تكن بحاجة إلى الكثير من الشرح. وهي أهم ما جاء في كتابه.
  • هناك العديد من الأخطاء المطبعية في اللغة الإنكليزية، وفي العبارات العربية المنقولة في الكتاب، وكذلك في الرسوم التوضيحية من حيث فن تقطيع الكلمة الأجنبية إذا لم تتسع لها المساحة المخصصة لها في الرسم.

 
الخلاصة

لا أرى مانعًا من الزيادة على المقاصد الخمسة شريطة الاقتصاد، وأن ينهض بها علماء كبار. كما لا أرى مانعًا من الزيادة على فروع هذه المقاصد ( المقاصد التابعة لها )، كما فعل شابرا. ويمكن التوسع النسبي فيها، كما يمكن أن يقوم بهذا علماء ولو كانوا أقل مرتبة من أولئك.

ولا أرى تقديم النفس على الدين، ولعل ما فعله الرازي لم يكن مقصودًا فيه الترتيب، بل يريد ذكر هذه المقاصد دون الرغبة في ترتيبها. وأخشى أن يكون المراد من تقديم النفس على الدين هو فتح الباب للتقديم والتأخير، من أجل تقديم العقل على الدين!

وأرى أن مسألة المقاصد عند الشاطبي وغيره لا تزال غامضة ومتكلفة ومعقدة، وتحتاج إلى المزيد من الشرح والتوضيح والرصانة.

أما محاولة شابرا فلا بأس فيها من حيث التفريع على الكليات الخمسة، عدا تقديمه النفس على الدين، لا أوافقه عليه.


 

مدونــة د. رفيـــق المصري

خيارات الصفحة

اضافة الموقع الى المفضلة
اضافة الصفحة الى المفضلة
طباعة الصفحة

كتب ذات صلة

بحوث ذات صلة

ترجمات ذات صلة

تحقيق / تحرير ذو صلة