• تكبير حجم الخط
  • حجم الخط الإفتراضي
  • تصغير حجم الخط
الرئيسية ترجمة انكليزية - عربية التمويل الإسلامي : النظرية والتطبيق (6-9)

التمويل الإسلامي : النظرية والتطبيق (6-9)

إرسال إلى صديق طباعة PDF
التمويل الإسلامي : النظرية والتطبيق
Islamic Finance: Theory and Practice
تأليف: بول ميلز وجون بريسلي
نشر: Palgrave, New York, 1999
ترجمة: رفيق يونس المصري

الطبعة الأولى
1424هـ - 2004م

قرأت ..
تقرأ هنا ..

6
التمويل غير القائم على الفائدة
والاستقرار الاقتصادي

 

أهم ميزة افتراضية شائعة للمشاركة في الربح والخسارة هي إسهامها في استقرار الاقتصاد غير القائم على الفائدة. ففي حين أن التمويل التقليدي يفترض أنه يوسع الدورة التجارية، فإن التمويل القائم على المشاركة يتوقع أن يكبحها. سوف تفحص المسألة باستعراض النظريات النقدية والمالية ذات الصلة بالدورة، والطرق التي قد تتبدل بها الأمور مع العمل المصرفي غير القائم على الفائدة.

 

النظريات النقدية للدورة
التفسيرات "المالية" للدورة التجارية، برغم أنها كانت مطابقة للأفكار السائدة في الثلاثينيات من القرن العشرين، إلا أنها أهملت منذ ذلك الوقت، بسبب إلغائها لازدواجية  "النقود الحقيقية" النيوكلاسيكية، وغياب الأسس الجزئية الصارمة (Gertler, 1988). ولم يكن المظهر الأول أبدًا مشكلة مستعصية الحل، لكن المظهر الثاني لم ؟؟؟ إلا حديثًا مع إدخال اعتبارات المعلومات غير المتماثلة في صيغة النماذج المالية.
طور (Wicksell, 1936, 1935) نظرية للدورة التجارية، اعتبرت هيكل معدل الفائدة السائد هو المسؤول عن التقلبات الدورية(1). فمعدل الفائدة "الطبيعي"r) ) يتحدد بالعرض والطلب المتعلقين برأس المال "الحقيقي"، ومن ثم فهو يتبع الربحية المتوقعة للاستثمار الجديد والميل إلى الادخار. فـ (r) قد يوجد حتى لو لم توجد النقود، للمعادلة بين الادخار والاستثمار المسبق، ولتأمين الناتج واستقرار الأسعار.
ويعود عدم تجريب مثل هذا الاستقرار إلى وجود النقود، وشيوع مصارف الاحتياطي الجزئي في آلية عرض النقود، التي تضمن ألا يتوافق معدل الفائدة النقدي (i) مع (r) على الإطلاق، وتنشأ الفروق من أن المصارف لا تستطيع بسهولة أن توافق بينهما عندما تتغير (r). فمثلاً إذا كانت ()، فإن الاستثمار المخطط سوف يتجاوز الادخار المخطط. وسيرتفع مستوى الأسعار، لأن الطلب الفائض يتم تمويله بالسحب من الاكتناز، أو يخلق الائتمان المصرفي. وتستمد العملية بالتوقعات المحتملة لزيادات الأسعار، ويستمد التضخم وتوسع الناتج عندما تكون ().
ويتم بلوغ نقطة التحول إما عندما تدرك المصارف أنها اقرضت أكثر من اللازم، وأصبحت الاحتياطيات نادرة، والسلطات النقدية خائفة من التضخم، وإما عندما تؤدي إملاءات النظام النقدي (مثل القاعدة الذهبية) إلى ضرورة التضييق. ومؤقتًا إذا كان () بسبب انخفاض توقعات الربح، فإن النقود يجري تجميدها في مكتنزات، والائتمان يتراجع، ومستوى الأسعار يهبط. وتستقر العملية عند المستوى الأصلي للأسعار، عندما يكون (i=r) مرة أخرى.
هذا النظام يظهر توازنًا طويل الأجل للتشغيل الكامل، واستقرار الأسعار، عندما يكون (i=r). وفي حين أن النظام النقدي يعكس الاقتصاد "الحقيقي"، فإن هناك نزعة للتحرك بسلاسة باتجاه التوازن . فقط يعمل النظام النقدي مستقلاً عن القوى "الحقيقية" فإن الدوران في الناتج والأسعار ترتفع، ومن ثم فإن فيكسل في حين أنه يحافظ على الازدواجية الأرثوذكسية (المألوفة)، إلا أنه ينادي بأمر يكون فيه للقوى النقدية أثر دوري مهم، بدق اسفين بين معدل الفائدة الطبيعي والسوق.

هايك

 

شكّل تحليل فيكس أساسًا للعديد من النظريات اللاحقة للدورة النقدية للاستثمار فوق الحد، مثل نظرية (Hayek, 1933)، فقد آمن بكفاءة آلية الأسعار في تنظيم العرض والطلب المتعلقين بـ "رأس المال الحقيقي" ، لكن :
فقط عندما نعتبر المجموعة الثانية من الأسعار (المدفوعة لرأس المال المقترض، أو الفائدة بعبارة أخرى)، ندرك أن هناك قلقًا يمكن أن يدبّ، بمجرد أنه تحديد الأسعار في هذه الحالة لا يعمل بصورة مباشرة، بالمعادلة بين الطلب الحدي وأي عرض للسلع الرأسمالية، بل بصورة غير مباشرة، من خلال أثره على رأس المال النقدي، الذي لا يحتاج عرضه أن يتناسب مع عرض رأس المال الحقيقي (ib id., p. 77).
إن جذر الإسهام النقدي في عدم الاستقرار هو أن سعر القروض (i) لا يعكس، ولا يمكنه أن يعكس بصورة كاملة تقلب توقعات الربح لدى المستثمرين في مشاريع رأسمالية "حقيقية". فينظر هايك إلى عرض نقدي مرن، ينشأ من العمل المصرفي القائم على الاحتياطي الجزئي، على أنه شرط "ضروري وكاف" لزيادة الاضطرابات في الاقتصاد الإنتاجي في دورة كاملة (ib id., p. 141). لذلك فإن الانخفاض المصطنع في (i) الذي ينشأ من التوسع النقدي السهل، يؤدي إلى الاستثمار فوق اللزوم، وإلى الإفراط في التوسع في قطاع السلع الرأسمالية (ib id., p. 128). وعندما يتوقف التوسع، لأي سبب، يظهر أن كثيرًا من الرصيد الرأسمالي الموجود غير ضروري (ib id., p. 176).
إن ؟؟؟ أن النظام المصرفي هو الذي يمكنه أن يزيد عرض الأموال القابلة للإقراض عند المعدل السائد (i)، بدون ممارسة أي زيادة في المدخرات، التي يمكن أن تؤيد مثل هذا التوسع. ويمكن للعوال "الحقيقية" أن تحدث اضطرابًا، لكن الفشل في التعديل السلس للتوازن التالي هو مسؤولية آلية الائتمان. ويقدم العمل المصرفي القائم على الاحتياطي الجزئي عرضًا ائتمانيًا مرنًا ، ولكن :
ما دمنا نستخدم الائتمان المصرفي وسيلة لتعزيز التنمية الاقتصادية ، فإن علينا أن ؟؟؟ مع الدورات التجارية الناشئة من ذلك (ib id., p. 189).
إن النظريات "النقدية" تفسر بقوة بعض الملامح المتكررة للدورات التجارية (مثل النمو الائتماني المعزز للدورات، والتقلبات المفرطة في الطلب على السلع الرأسمالية. ومع ذلك، فإنها لا تعتمد على مرونة استثمار عالية بالنسبة للفائدة، أخفقت الدراسات التجريبية في العادة أن تكشفها.

فرضيات عدم الاستقرار المالي

فيشر

 

 

؟؟؟ فرضيات عدم الاستقرار المالي تحليلاً للعمل المصرفي التقليدي، يركز على الطبيعة المعززة لسياسات الإقراض، مع فحص تعرض الاقتصاد للانهيار، عندما يتم تمويل الاستثمار بإصدار خصوم، لها عادة قيمة اسمية ثابتة (أي دين يحمل فائدة). هذه الاعتبارات أثارها (Veblen, 1904) و(Keynes, 1931)، ولكن كان أقوى ناطق باسمها هو (Fisher, 1933a,b).
يعطي فيشر قليلاً من الشرح لماذا يحدث "إفراط في المديونية" خلال الحركة الصاعدة، ولكنه يركز على دورها في زيادة الحركة النازلة. وحالما تبدأ ارتفاعات الأرباح وأسعار الأصول تتباطأ سرعتها، لأي سبب، فإن المنشآت والمضاربين ذوي الرافعات العالية يجدون أنفسهم أمام التزامات خدمة الدين، التي تضع عبئًا كبيرًا على التدفقات النقدية المتاحة. وهذا ما يثير حركة عامة لتصفية الأصول، وذلك لمواجهة التزامات خدمة الدين والتخلص منها. ولهذا نتيجتان متميزتان. الأولى أن البيع الضيق يخفض قيم الأصول، ويؤدي إلى فقدان الثقة (بسبب نقصان صافي الثروة الشخصية)، واكتناز العملة، واستبعاد المضاربة الممولة بالدين (1933b, p. 14 and 1935, p. 111). كما أن هبوط أسعار الأصول وكذلك انخفاض قيم الضمانات يجعلان المصارف حذرة من تدوير القروض. والثانية أن إعادة سداد القروض المصرفية أو التخلف عن سدادها، واكتناز السيولة، يؤديان إلى مضاعفة الانقباض في عرض النقود، بسبب نظام الاحتياطي الجزئي، مما يؤدي إلى هبوط الأرباح والأسعار. ومن ثم فإن معدلات الفائدة الحقيقية قد ترتفع، برغم هبوط المعدلات الأساسية الاسمية(2). وعملية (الدين – التضخم) تقوّي نفسها بنفسها، لأن مستويات أعلى من الدين الحقيقي تسبب مزيدًا من الإفلاسات ومبيعات الأصول الاضطرارية، مما يؤدي إلى تقليص الأسعار أكثر فأكثر، وبهذا فإن التصرفات الرشيدة الفردية في حبس الرهون والبيع الاضطراري تؤدي إلى نتيجة ضارة على المستوى الجماعي (Fisher Paradox) (3).
والمشكلة الأولية، عند فيشر، كانت هي اجتماع عقود الدين بالقيمة الاسمية، مع هبوط مستوى الأسعار. وكانت المهمة الرئيسية للسلطات النقدية هي تثبيت الأسعار، من خلال حقن نقدية، لكي لا تتجاوز معدلات الفائدة الحقيقية المعدلات الاسمية (ib id., 1933b, p. 39). ويجب ربط عقود السندات بمستوى الأسعار، وفتحها للمفاوضة من جانب المقترض، عندما تهبط معدلات إعادة السداد، بسبب الكساد (ib id., 1933b, p. 118). ومع أن تحليل فيشر كان بسيطًا في ربط التغيرات تلقائيًا في الرصيد النقدي بالتغيرات في مستوى الأسعار، إلا أن هناك صحة في الاقتراح القائل بأن التمويل بالدين يحمل إمكانات الإخلال بالاستقرار (Haberler, 1937, p. 115-6, 331-6).

مينسكي

 

تحليل مينسكي Minsky(4) يوسع تحليل فيشر في التفسير المالي الكامل للدروة، بشرح الإفراط الأولي في المديونية. وفي حين أن فيشر يضيء الصعوبات الناشئة من هبوط الأسعار، فإن مينسكي يركز على الهشاشة المتأصلة التي تنتج من أرباح متوقعة مرهونة، ولكنها غير مؤكدة، من خدمة الديون. ولا تنشأ مشكلات عندما يأتي تمويل الاستثمار من المكاسب المحتجزة وتقلبات رأس المال (التمويل التحوطي)، ما دام خطر الإفلاس لم يزدد لهذا السبب. وعندما يتم التعرض للديون، ويكون تجنب التخلف عن الدفع تابعًا لمعدلات الفائدة، لا تبقى إلا الأرباح المنخفضة نسبيًا (التمويل المضاربي)، أو استمرار تضخم أسعار الأصول (تمويل بونزي Ponzi Finance)، عندئذٍ تدخل الهشاشة(5). وكلما زادت نسبة تمويل المضاربة وتمويل بونزي، زاد تأثر النظام المالي بزيادات معدلات الفائدة الحقيقية.
هذه الكثرة ليست خلافية. ما هو خلافي هو اعتقاد مينسكي بأن الاقتصاد القائم على أساس الديون ينزع إلى تحويل الهيكل المالي السليم إلى هيكل ضعيف (ib id., 1982, p. 24). وبافتراض صدمة "حقيقية" ترفع توقعات الأرباح، فإن المنتجين سوف يجنون من الأرباح، بالاقتراض لتمويل استثمارات جديدة، أكثر من بيع أسهم جديدة. كذلك فإن قيم الأصول تزداد أسرع ما أمكن. والمصارف وحملة السندات قادرون وراغبون في عرض الائتمان، ربما عند هبوط معدلات الفائدة الحقيقية، لأن علاوة الخطر تنخفض عندما تزداد قيمة الضمانات. وعندما يتوسع الاستثمار، وترتفع الأسعار، تصدق توقعات الأرباح، ويزداد الاستثمار.
ومن المحتمل مع ذلك أن تزداد معدلات الفائدة الاسمية إما من الداخل، باجتذاب الاحتياطيات إلى النظام المصرفي، أو من الخارج من قبل السلطات النقدية. ومع ذلك ربما تأجل هذا الارتفاع إلى ما بعد التزام العديد من المقترضين ببرامج "بونزي". وربما يؤدي ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية إلى تسريع فشل معظمها (Minsky, 1982, p. 32-3). وحالما تبدأ توقعات الربح بالتدهور، تتباطأ ارتفاعات الأرباح والأسعار، وتنتشر الإفلاسات، وربما تبدأ عملية الدين – التضخم الفيشرية. ومع ذلك، بافتراض عدم مرونة الأسعار النازلة الجارية، يضع مينسكي مزيدًا من التأكيد على هبوط الأرباح التي تفشل في مواجهة التزامات خدمة الدين، مع قيام المصارف بتوزيع الائتمان بصورة أكثر صرامة، وذلك لتفسير الإفلاسات المتزايدة والطلب التجميعي المنقبض. وما ينشأ عن ذلك من تراجع ربما يحول النظام المالي من حالة هشاشة إلى حالة متانة، لأن معدلات الفائدة الحقيقية هبطت، ولأن التمويل "التحوطي" بدأ يسود.
ويذكر مينسكي ما وقع بعد الحرب من نجاحات وإخفاقات محدودة في الولايات المتحدة على أنه تأكيد لفرضيته، التي تعزو غياب الانهيارات الكبيرة إلى النفقات الحكومية الواسعة (ib id., 1982, p. 28)، والتساهل الذي أبدته السلطات النقدية في السيطرة على الأزمات. فكان الثمن هو التضخم المستمر(6)، والتوسع الدائم في رصيد الدين الحكومي، الذي كان يحتاج إلى تفادي عمليات انكماش الدين. والحقيقة أن الولايات المتحدة اجتنبت فقط انكماش الدين الكامل في 1990 – 1991، من قبل الدولة التي سددت مطاليب المؤسسات المالية المفلسة ، وقامت بدور مقرض الملاذ الأخير (Minsky, 1993, p. 34).
وكان من الصعب على الاقتصاديات الأورثوذكسية (المألوفة) قبول تحليل فيشر – مينسكي لعدة أسباب. فمثلاً هذا يتطلب أن يتصرف المقترضون والمقرضون تصرفًا غير رشيد. فهم ينظرون إلى الارتفاع المؤقت في الأرباح أو في قيم الأصول على أنه تحول مُواتٍ مساند في بيئة عملهم (ورافعة متزايدة)، أكثر منها جولة عابرة لحظ سعيد (Sinai, 1977  and Fleming, 1982, p. 40).
لكن لا يكاد يبدو هذا الاعتراض صحيحًا، بالنظر إلى الحوادث العديدة التي ضارب فيها وكلاء ذوو معلومات جيدة كما يبدو، بصورة غير رشيدة (Kindleberger. 1989, ch. 3). وبصورة أكثر جدية، فإن فرضية عدم الاستقرار المالي تخرق الازدواجية النيوكلاسيكية، وذلك بالتأكيد على أن تلك التغيرات في مستوى الأسعار، والهيكل المالي، لها آثار حقيقية على الناتج. وهناك أسس جزئية صارمة لهذا التأكيد مقدمة اليوم لمراعاة أثر المعلومات غير المتماثلة على التفاعلات المالية.

نظريات الدورة المالية المبنية على المعلومات غير المتماثلة

 

مدخل تحصيص حقوق الملكية  The Equity - rationing Approach
أنتج (Greenwald and Stiglitz, 1988a,b, 1990) نموذجًا كليًا لمثل هذه الفروض الضمنية الصارمة، التي تبين هيكلاً ماليًا يؤدي إلى تكبير الصدمات في الاضطرابات الدورية. والملمح الرئيسي هو أن المنشآت مقيدة بمبلغ التمويل برأس المال الذي يمكنها إصداره؛ بحيث إذا تم إصدار المزيد من الأسهم لتمويل الاستثمار الجديد، فإن قيمة الأوراق المالية الموجودة حاليًا تهبط هبوطًا كبيرًا. وهذه الظاهرة ثابتة تجريبيًا (Asquith and Mullins, 1986 and Korajczyk et al., 1990)، ويمكن تفسيرها من خلال مشكلات مختلفة، تسببها المعلومات غير المتماثلة(7). وأيًا ما كان السبب الحقيقي، فإن المنشآت تتصرف كما لو كانت حقوق ملكيتها محصصة (Stiglitz, 1988, p. 313-4).
إن ملاحظة تحصيص حقوق الملكية تترافق إذن مع القروض المعقولة بأن قرارات الناتج هي قرارات محفوفة بالمخاطر (لأن أسواق العقود المستقبلية التامة لا توجد، ولهذا فإن المبيعات والأسعار النهائية غير مؤكدة). وأن المديرين كارهون للمخاطرة (بسبب المهنة، والجزاءات المالية المفروضة على الإفلاس). وعلى هذا فإن نموذجًا للاقتصاد الإنتاجي يبرز في المنشآت التي تزيد الناتج، إذا تم توسيع قاعدة رأس المال، من أجل تنويع مخاطر الإفلاس (باعتبار أن تكاليف الإفلاس المتوقعة تزيد مع الناتج). وبالنظر لتحصيص حقوق الملكية، فإن هذا يحدث فقط ببطء من خلال احتجاز الأرباح. ومن ثم فإن صدمات التدفق النقدي للمنشأة (كالتي تنشأ من ارتفاعات معدل الفائدة الحقيقي)، واستقرار بيئتها العاملة، قد ضاعفت الآثار، على الناتج والاستثمار المرغوبين. فلا تريد المنشآت أن تقترض لتمويل استثمار جديد خلال فترات التراجع، لأنها لا تستطيع كثيرًا تنويع المخاطر الإضافية للإفلاس.
وبرغم أن نماذج تحصيص حقوق الملكية صعبة الاختبار مباشرة، إلا أنها تجلب تنبؤات تستمر مع وجود عدد من وجوه السلوك الدوري. فمثلاً تولّد مسرّعًا استثماريًا للتدفق النقدي لقيادة الدورة، يتبع صدمة خارجية تؤدي إلى تحوير التدفق النقدي في الشركة، أو تنبؤات المديرين بعدم التأكد. وهذا ما يتطابق مع المشاهدات الاستثمارية التجريبية الحديثة، المتأثرة كثيرًا بالتدفق النقدي الجاري للمنشأة(8). ويدل التنبؤ النظري في السياق الحاضر على أنه إذا كانت المنشآت أقوى قدرة على تنويع مخاطر الإنتاج، من خلال وصول أسهل إلى التمويل برأس المال (أو بالمشاركة)، فإن خطط الاستثمار الأطول أجلاً قد تصبح مجدية، والتقلبات الدورية تتناقص. وربما تؤدي زيادة قابلية المنشآت، في كراهة المخاطرة، إلى الاشتراك في مخاطر الإنتاج، مع الذين يقدمون لها عرض التمويل، بما قد يؤدي إلى تخفيض تكاليف الإفلاس المتوقعة لأي مستوى من الإنتاج، ويؤدي إلى تحويل منحنى العرض التجميعي إلى اليمين (Stiglitz, 1992, p. 280-2).

مدخل تكلفة الوكالة  The Agency Cost Approch

 

من الوسائل ذات الصلة لتقديم أسس جزئية لتحليل فيشر – مينسكي هي التركيز على تكاليف الوكالة للعلاقة التجارية بين المقترض والمقرض، التي تقودها المعلومات غير الكاملة (Bernanke, 1983, p. 313-4). في مثل هذه الظروف، تنخفض تكاليف الوكالة بصافي ثروة المقترض (ص ث م) القابلة للضمان العالي والمستخدمة ضمانًا للقرض. ويؤدي وجودها إلى تخفيض حوافز المقترض لكي يختار بنفسه اختيارًا عكسيًا، والتعرض لمخاطر الإفلاس العالية أمام رغبات المقرض، مما يؤدي إلى علاوات مخاطرة أدنى، وشروط قرض تقييدية أقل. ومن ثم فإن تكلفة رأس المال، ولاسيما بالنسبة لصغار المنظمين، ستختلف عكسًا مع (ص ث م)(9).
وهذا ما يرفع مباشرة قدرة الشروط الائتمانية على توسيع الدورة، لأن (ص ث م) ستزيد مع قيم الأصول المرتفعة في حالة الازدهار، وتنقص في حالة الانهيار. وتتحرك تكاليف وكالة وإشراف المقرض ضد الدورة، وبهذا تزداد دورة الناتج زيادة مبالغًا فيها. وفي الحقيقة فإن صدمات أسعار الأصول بـ (ص ث م) يمكن أن تصبح مصدرًا مستقلاً للتقلبات الحقيقية(10). فإذا نقصت (ص ث م) بما يكفي، فقد يجد المقرضون أن من المستحيل تصميم عقد قرض ذي عائد إيجابي متوقع. وحتى المقترضين أصحاب المشاريع العالية الجودة يمكن إنكار الائتمان عليهم تمامًا، بادعاء أن سمعتهم الائتمانية غير كافية، وربما ينشأ عن هذا انهيار في عرض القروض الاستثمارية الجديدة  (Bernank and Gertler, 1990, p. 99 ; See Mankiw, 1986).
ومع أن هذا المدخل محدود في تركيزه على المنشآت الصغيرة (Sheffrin, 1989, p. 132)، إلا أنه يقدم طريقًا يمكن به للتقلبات في أسعار الأصول أن يكون لها آثار "حقيقية" في الناتج، بدون اللجوء إلى فرضية "خداع النقود money illusion ". وتزداد تقلبات أسعار الأصول، وتنخفض كلفة رأس المال على بعض المقترضين، بدون أن يعاقب أو يستفيد حملة الأوراق غير المتعلقة بالأصول. فمثلاً إن انهيارًا في قيم الضمانات قد يؤدي إلى تحصيص العديد من المقترضين خارج السوق، في حين لا يستفيد أولئك الذين لا يرغبون الدخول في التجارة (Bernanke, 1983, p. 67 ; Kindleberger, 1989, p. 14).

إسهامات غير قائمة على الفائدة في تضاؤل الدورة

 

بالنظر للخلفية النظرية، يمكن اكتشاف إمكانية التمويل القائم على الفائدة في تضخيم الدورة، والتمويل القائم على المشاركة في المساهمة في الاستقرار الاقتصادي الكلي.

الحركات المخلّة بالاستقرار في كلفة رأس المال

 

تركز النظريات النقدية المجردة للدورة على إمكانية معدل الفائدة النقدي في زعزعة استقرار الاقتصاد "الحقيقي"، بأن لا يعكس الكلفة "الحقيقية" لرأس المال. ومع أنه يتجرد عن التوقعات، إلا أن هناك قدرًا من الحقيقة في هذا التحليل. فإذا ما كان السبب (مثل الائتمان المصرفي الداخلي، وإملاءات السياسة النقدية وسياسة سعر الصرف، والاقتراض الحكومي)، فإن معدلات الفائدة الحقيقية والاسمية يمكن أن تتحرك بطرق يتزعزع معها استقرار الطلب التجميعي. وفي اقتصاد قائم على المشاركة تمامًا، ولا توجد فيه أصول تحمل فائدة، يجب أن لا يحدث هذا، لأن العائد اللاحق على رأس المال المالي يجب أن يعكس العائد على رأس المال الحقيقي(11). ومن ثم فإن مستخدمي رأس المال المحتملين لا يستطيعون مواجهة وضع تتحرك فيه الأرباح المتوقعة المسبقة وتكاليف رأس المال، في الاتجاهات المضادة (Uzair, 1987, p. 105)، بل سيكون النظام المصرفي غير القائم على الفائدة أكثر إنتاجًا للاستقرار الكلي، إذا تحركت نسب المشاركة التي تتحدد في السوق عكس الدورة، كما يقول صديقي  (Siddiqi, 1983c,  p. 171-6).

مصارف الاحتياطي الجزئي وتقلبات الائتمان

 

هناك عنصر جوهري للنظريات النقدية والمالية للدورة، وهو ميل النظام المصرفي التقليدي إلى توسيع وتقليص عرض الائتمان على نحو مؤيد للدورة. وتنشأ هذه الظواهر المنظمة "غير الرشيدة" من تجميع القرارات المصرفية "الرشيدة". وخلال الحركة الصاعدة، تترجم الثقة المتزايدة للمقترضين إلى ثقة المصرفي من حيث الأرباح والدخول وقيم الضمانات التي تجعل اقتراحات القرض تبدو أقل مخاطرة. وتهبط تكلفة رأس المال، لأن علاوة المخاطرة تهبط، ويتنافس المقرضون على الأصول. وهذا ما يشجع بالمقابل على المزيد من الطلب وأسعار أعلى (Stiglitz, 1988, p. 312-3). وتبدي المصارف بعض الحذر في تلبية الطلب الإضافي على القروض بدون وجوب رفع معدلات الفائدة لجذب الاحتياطيات والودائع، بسبب الجمع بين علميات الاحتياطي الجزئي وإدارة الخصوم. وتزداد المبالغة في العملية من جانب المصارف التي تعمل على تقليل الاحتياطي ونسب رأس المال، لتعظيم الأرباح، الأمر الذي يبرره انخفاض معدلات التخلف عن السداد، وإمكانية ضباط القرض أن يصابوا بـ "غريزة القطيع" (انظر الفصل القادم).
وخلال الحركة النازلة، فإن الأثر المتزايد لعمليات التخلف عن السداد وهبوط قيم الضمانات تجبر المصارف على الاحتفاظ بالاحتياطيات، وزيادة الهوامش لإعادة بناء رأس المال المستنزف(12). ومن ثم ففي الوقت الذي يطالب فيه المقترضون بشروط أيسر، فإن علاوات مخاطرة القرض تزداد، وتقوم المصارف بتحويل محافظها إلى أصول عالية السيولة. النتيجة هي تعزيز ذاتي لمخارج الحذر والتحفظ، بحيث إن مقترحات القرض التي تعتبر سليمة خلال الظروف الاعتيادية تكون ذات مخاطر مفرطة (Keynes, 1931, p. 171-3 ; See Leewellyn, 1991).
ثم إن عدم التلاؤم بين الاستحقاقات الذي تواجهه مصارف الاحتياطي الجزئي يضيف بعدًا آخر لدورة الإقراض المؤيدة للدورة. ففي حالة الصعود، يكون المودعون أقل كراهة للمخاطرة، وتكون لهم ودائع صافية، في حين أن التدفق النقدي لطالبي القرض يكون قويًا، ومشجعًا للمصارف على الإفراط في الإقراض. أما في حالة الهبوط، فإن المودعين تكون لهم سحوبات صافية لتعويض عجوز التدفق النقدي، عندما تكون التدفقات النقدية للمقترضين قليلة. وعندئذٍ ترى المصارف نفسها مجبرة على التضييق في شروط الائتمان (Dymski, 1988)(13).
هذه الاعتبارات أثارت العديد من المزاعم بأن النظام المصرفي القائم على الاحتياطي الجزئي يعمل على تكبير وتوليد دورة الناتج(14). ويجب تخفيض هذا الميل بالجمع بين ودائع صفقات احتياطي 100 % وحسابات استثمارية قائمة على المشاركة. فيمكن لعمليات الاحتياطي 100 % أن تحدّ من قابلية النظام المصرفي لتوسيع وتقليص وسيط الصفقات، مع إعطاء مزيد من الفاعلية لمحاولات السلطات النقدية في تقليص الدورة. وإن الإقراض القائم على المشاركة يجب أن يجعل المصارف أكثر اهتمامًا بربحية المقترضين الطويلة الأجل، منها بالسلامة القصيرة الأجل للتدفق النقدي والضمانات(15). ويجب أن تكون مثل هذه المصارف أكثر حذرًا عند الإقراض في حالة الصعود، وأقل رغبة في سحب المال عندما تضيق ظروف الاقتصاد الكلي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن سلامة آلية الصفقات، وزيادة قابلية المصارف للمشاركة مع المودعين في المخاطر، لابد وأن تخفض الضغط على سحب المال من المشاريع المهمة في حالة النزول.

الإخفاقات المصرفية في الكساد

 

إخفاق المصارف التقليدية، أو مخاطر إخفاقها، في حالة النزول، يمكن أن يكون له تفرعات انكماشية قوية. فمثل هذه الإخفاقات لا تؤدي فقط إلى تمزيق آلية المدفوعات، وتقليل الثروة الحقيقية للمودع، بل تؤدي أيضًا إلى هدم العلاقة القيمة بين المعلومات ورأس المال، من خلال العلاقة بين المصرف والمقترض (Bernanke, 1983 ; Guttentag and Herring, 1987, p. 158, ff). فعندما يخفق المصرف، يجب على المقترضين سداد القروض التي ربما كان يتوقعون تجديدها، والبحث عن مصادر ائتمانية بديلة. ومع ذلك فإن المقترضين ذوي الجودة العالية لا يستطيعون نقل صفقاتهم بصدق إلى مصارف جديدة بسهولة، بل ربما يواجهون زيادة في تكلفة رأس المال، أو الخروج من السوق بالكامل (Sharpe, 1990, p. 1084-85). ومن ثم فإنه بغض النظر عن "آثار العدوى" وذيولها على عرض النقود، يمكن أن يكون للانهيارات المصرفية أثر على الاقتصاد "الحقيقي"(16)، وأن مخاطرة الفشل تشجع المصارف على أن تكون متحفظة جدًا خلال حركات النزول، برفع الهوامش ونسب الاحتياطي، والتحول إلى الأصول السائلة والآمنة (B. M. Friedman, 1991). وأهم منفعة من احتياطي الـ 100% وعمليات المشاركة في الربح هي أن المصرف غير القائم على الفائدة لا يتعرض إلى الخوف من الإفلاس، فإذا انهارت محفظته الاستثمارية في قيمتها، لم تتأثر ودائع صفقاته(17)، والنتيجة أن المصارف غير القائمة على الفائدة يجب أن تكون أقل كراهة للمخاطرة في حالات النزول، وسيكون هناك أثر اقتصادي كلي أضعف، إذا انهارت الوساطة المالية.

الإقراض والاقتراض المضاربي

 

التمويل القائم على الفائدة يمكن أن يكون أيضًا مخلاً بالاستقرار، لتسهيله الاقتراض لشراء أصول مضاربية (قروض ذات رافعة عالية أو عمليات سيطرة). وتكمن المشكلة في عائد المقرض الذي لا صلة له بالكسب الرأسمالي المتحقق، مع ضمان مقدم غالبًا من الأصل بأن القرض يستخدم للشراء. وفي حالة الصعود، عندما تبدأ قيمة الأصول في الارتفاع بمعدل أعلى من معدل الفائدة الاسمي، يقوم المقترضون بتعظيم كسبهم الرأسمالي، برفع أنفسهم إلى أقصى درجة ممكنة. والمقترضون يذعنون لأن قيم الضمانات ترتفع. ومن ثم فإن الثمن الأولي يمكن أن يتحول إلى "فقاعة"، لأن المشتريات الإضافية الممولة بالائتمان مؤلفة من أصول ذات عرض غير مرن، والأسعار صلتها قليلة بـ "الأساسيات" (Blanchazd and Watson, 1982). (كذلك الأصول تصبح أكثر سهولة، ومن ثم أكثر قيمة، فقط لأنه يمكن استخدامها كضمانة). ويمكن فقط احتمال استمرار ارتفاع قيمة الأصول بواسطة المشتريات الممولة بالائتمان، بحيث لا تكون تلك القروض قابلة للاستمرار إلا إذا تم منح المزيد من القروض (Beckman, 1988, p. 322). وتنعكس العملية بصدمة ما، أو بارتفاع معدل الفائدة الحقيقية، بما يهز ثقة المقرض، أو يضع تدفقات المقترض النقدية تحت الضغط. ويزداد هبوط أسعار الأصول بالبيع الاضطراري وبعمليات إعادة التملك. ويساهم الوصول السهل إلى الائتمان في جعل مثل هذه "الفقاعات" المتعلقة بأسعار الأصول أكثر جاذبية بكثير، وذات حجم احتمالي أكبر، مما هي عليه الحال في سوق نقدية فقط (Bach, 1977, p. 182) (18).
وقد تستمر تقلبات أسعار الأصول في اقتصاد غير قائم على الفائدة. لكن اتساع مثل هذه الحركات قد يقل بغياب الائتمان الحامل للفائدة. فإذا كان التمويل متاحًا من قبل مصرف قائم على المشاركة من أجل مشتريات مضاربية(19)، فقد يبرم المقرض عقدًا من أجل حصة في المكاسب الرأسمالية المتحققة. وهذا ما يقلل على الفور العائد المتوقع من المقترض، ويجبر المقرض على المشاركة في مخاطر تقلبات الأسعار. ومن ثم فإن كلا الطرفين يقتنعان بالعدول عن الدخول في الترتيب المتعلق بالحالة التقليدية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن غياب الالتزامات الثابتة المتعلقة بخدمة الدين قد تجعل المقترضين غير ملزمين بالبيع في سوق هابطة. ومن ثم فإن الاقتصاد غير القائم على الفائدة قد يتميز بتقلبات أقل في أسعار الأصول.

الخصوم غير الاحتمالية وانكماش الدين

 

ملمح التمويل القائم على الفائدة، الذي يسهم أكثر من غيره في عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي، هو عدم احتمالية الخصوم الذي يتعرض له المقترضون والمصارف. وهذا أمر مركزي في تحليل فيشر – مينسكي. وهذا ما ينبئ بأن مقياس نمو الائتمان والهشاشة المالية (مثل نسب رفع الدخل) income gearing ratios سوف يتحرك باتجاه تأييد الدورة، ويميل إلى توجيه مقياس الناتج. وكلما كانت مستويات الرفع أعلى زاد تعرض الاقتصاد وتأثره بارتفاعات معدل الفائدة الحقيقي. وإذا حدث هبوط غير متوقع في الأسعار وفي قيم الأصول، نشأت الآثار المتوقعة لانكماش الدين (إفلاسات متزايدة، محاصصة ائتمانية أضيق، تخفيض الاستثمار والاستهلاك والناتج).
اعتراض: سيناريو انكماش الدين يوسع العقيدة الأرثوذكية (المألوفة) لحيادية النقود بالاحتجاج بأن التغيرات في مستوى الأسعار تؤثر في المستوى الحقيقي للناتج. وبشكل خاص، تنكر أن هبوط مرونة الأسعار والأجور سيعيد تلقائيًا الطلب التجميعي إلى مستوى التشغيل الكامل له. وبدلاً من ذلك ، تفترض أن التغيرات في الناتج الحقيقي يمكن أن تنشأ من التماثل في توزيع الثروة من المدينين إلى الدائنين، الأمر الذي ينشأ من هبوط غير متوقع في مستوى الأسعار. لماذا لا تعوّض الزيادة في استهلاك الدائنين النقصان في استهلاك المدينين (أثر بيغو Pigou) كما يفترض تقليديًا؟
جواب: الجواب النمطي هو أن الميل الحدي للاستهلاك من ثروة المدينين هو بالتعريف أعلى من نظيره لدى الدائنين. ولهذا فإن إعادة توزيع الثروة من المدينين إلى الدائنين تؤدي تلقائيًا إلى تخفيض الاستهلاك (Tobin, 1980). ومع ذلك فإن هذه الفرضية لا هي مبررة نظريًا، ولا هي واضحة علميًا، لأن العديد من الدائنين هم مدخرون بالتجزئة، في حين أن بعض المدينين هم عبارة عن شركات كبيرة(20).
هناك تفسير أقوى يقوم على شوائب سوق رأس المال في إنجاز آثار الناتج من العمليات اللاحقة في إعادة توزيع الثروة (Fazzari and Caskey, 1989 ; Jefferson, 1994). فمثلاً في ظل انخفاض غير متوقع للتضخم، يقلص المدينون الإنفاق، استجابة لمخاطر الإفلاس المتزايدة، برغم أن مخاطر التخلف عن السداد بالنسبة للدائنين قد تزداد أيضًا، مما يجعل أصولهم أقل أمنًا. كذلك فإن انكماش الدين يزيد بصورة متزامنة في حاجة المقترضين إلى التمويل الخارجي، الأمر الذي يجعلهم ذوي سمعة ائتمانية أقل. وبما أن الناس أيضًا يبدو أن لهم معرفة خاصة، ومقدرة على الوصول إلى مشاريع استثمارية جديدة، فإن انكماش الدين يقلل الاستثمار، لتقليله من فرص وصولهم إلى الائتمان (Bernanke, 1992/1993,  p. 62).
الدليل التجريبي: الدليل الداعم مستمد من إعادة فحص الكساد الكبير في الولايات المتحدة. فمثلاً رأى مشكن (Mishkin, 1978) أن المديونية الاستهلاكية المرتفعة، الناشئة من هبوط الدخول والأسعار، أدت إلى هبوط جوهري في الطلب على السلع المعمّرة والمساكن. كذلك رأى برنانكي (Bernanke, 1983) أن المنشآت الصغيرة والإفلاسات الشخصية كانت هي العناصر الأساسية المساهمة في عدم الاستقرار المصرفي، مع غياب عقود الدين المربوطة Indexed، الأمر الذي يؤكد أن مكافحة التضخم تلك كان لها أثر صارم(21). أما المنشآت الكبيرة فقد فعلت الأفضل، لأن توسعها في العشرينيات من القرن العشرين قد جرى تمويله ببيع الأوراق المالية (Fisher, 1933b,  p. 72, ff).
وهناك أدلة أخرى قدمتها تجربة ما بعد الحرب. فقد أثبتت عدة دراسات أن عرض الائتمان ينبئ عن الناتج أفضل من تجميعات العرض النقدي. وبشكل خاص، اكتشف (Eckstein and Sinai, 1986) أن الحوادث وردود الفعل لها تأثير تقريبًا في كل تراجع اقتصادي في الولايات المتحدة بعد الحرب، مع مرونة عالية في العرض الائتماني، تؤدي إلى إثارة التوسعات واستمرارها(22). وما هو أحدث من هذا هو أن الازدهار والانهيار الائتمانيين في اقتصادات البلدان الناطقة بالإنكليزية، وفي اليابان، قدم دليلاً كبيرًا على قابلية الدين لتشجيع التوسع والتقلص في الناتج. فقد أضحت مديونية الشركات موضة حديثة، لتحسين الانضباط الإداري. فالازدهار في عمليات إعادة شراء حقوق الملكية الممولة بالدين، وفي عمليات الاستيلاء، وفي مشتريات الأسهم بالدين بقصد السيطرة، أدى إلى قيمة مرسملة بحقوق الملكية الأمريكية التي تهبط حاليًا. وارتفعت نسبة الدين إلى صافي الثروة في المنشآت الأمريكية غير المالية من 32 % (1982) إلى 55% (1989)  (Simpson, 1992, p. 71). إن مثل هذه المستويات العالية من الدين تجعل المنشآت أكثر عرضة لارتفاعات معدل الفائدة الحقيقي أو انخفاض الطلب(23). وترافقت الإفلاسات المسجلة حديثًا مع مستويات دين عالية في المملكة المتحدة (Joyce and Lomax, 1991 ; Sargent, 1991)، والولايات المتحدة (Simpson, 1992)، وفرنسا (Bordes and Molitz, 1989). وأوجد كينغ (King, 1994) ترابطًا موجبًا بين قصور الاستهلاك في 1989 – 1992، بالنسبة إلى الميل، وبين النمو المتوقع في نسبة الدين العائلي إلى الناتج القومي الإجمالي (1984 – 1988) عبر عشرة اقتصادات غربية رئيسية.
إن إمكان الاعتماد الشديد على الخصوم الدائنة غير الاحتمالية، في المساهمة في عدم الاستقرار الاقتصادي والهشاشة، قد أثار عدة تحذيرات من مخاطر الرفع Leveraging  المفرط(24)، وتأييد زيادة الاعتماد على السندات المربوطة أو الاحتمالية أو حقوق الملكية(25). ومثل هذه المخاوف موجهة تلقائيًا من قبل نظام مالي، يستخدم أموال حقوق الملكية وأموال المشاركات، فقط لتمويل المشاريع الاستثمارية. وعند توقع زيادة الأرباح والدخول، ترتفع التكلفة المتوقعة لرأس المال بالدرجة نفسها، مما يثبط الطلب الاستثماري، وينشر بصورة واسعة منافع أرباح أعلى للمساهمين والمودعين في المصارف. وعلى الضد من ذلك، تهبط تكلفة التمويل المتوقعة عندما تهبط الأرباح، ويقل عدد الإفلاسات، لأن المنشآت غير ملتزمة بمدفوعات خدمة الدين (Ct. Goodhart, 1993, p. 283).
ويخصص الاقتصاد القائم على الفائدة المخاطرة المنظمة بطريقة غير رشيدة (Siddiqi, 1983c, p. 183). فإن نظام المشاركة في الربح، بدلاً من تركيز المخاطرة على المنشآت (التي يمكن أن تعاني من إفلاسات مكلفة) والمصارف (المهددة بتهافت المودعين على سحب الودائع وبالعدوى)، يتقاسم المخاطر مع المساهمين والمودعين. ومن ثم فإن الأرباح الآخذة بالانخفاض تميل إلى إنتاج تعديلات واسعة في حركة هبوط الثروة العائلية الحقيقية. ويكون الاستقراء الديناميكي هو الناتج المتوقع(26).

تقدير وآثار

 

طالما اتهم التمويل بالدين بالمساهمة في عدم استقرار الدورة. ومع أن نظريات عدم الاستقرار المالي لها حدود، إلا أنه لا يوجد تفسير لبدء الدورات، ويوجد احتكام للفطرة السليمة في أن الهيكل المالي يكبّر الدورة. ومع ذلك فإن هذا هو أحد مقترحات الفطرة السليمة بأن علم الاقتصاد قد أخذ في التناقص.
وهناك تطوران لاحقان قد أعطيا المقترح زيادة كبيرة في المصداقية. الأول أن تطبيق اعتبارات المعلومات غير المتماثلة على العلاقات المالية كشف طرقًا يمكن بواسطتها للهيكل المالي أن يكون له أثر على الاقتصاد الحقيقي. والثاني أن الزيادة في مديونية القطاع الخاص، في الثمانينيات من القرن العشرين، أدت إلى هشاشة مالية، وساهمت في تطويل وتعميق التراجع اللاحق(27). وبهذا يمكن استخلاص أثرين، نبينهما فيما يلي:

المديونية المفرطة والنظام الضريبي

 

لدى الشركات ميل متأصل إلى الإفراط في الاقتراض. ذلك لأن المسؤولية المحدودة تضمن ألا يتحمل المساهمون جميع تكاليف الإفلاس. وبالإضافة إلى ذلك، هناك تكاليف إفلاس جوهرية غير مباشرة لا يمكن أن تنعكس في علاوة المخاطرة المدفوعة على الدين(28). ومن ثم فإن هناك حالة خارجية للحد من مديونية الشركات (Summers, 1986, p. 165) بالإضافة إلى اعتبارات عدم الاستقرار الاقتصادي الكلي. وستقترض المنشآت أكثر من الحد الأمثل اقتصاديًا.
وعليه ليس من المنطقي أن تفضل النظم الضريبية للشركات، في الاقتصادات المتقدمة، دائمًا التمويل بالدين على التمويل برأس المال. فمدفوعات الفائدة قابلة للتنزيل ضريبيًا، في حين أن الأرباح الموزعة والمحتجزة تعد أرباحًا خاضعة للضريبة. وهذا ما يخفض من تكلفة التمويل بالدين، بالنسبة للتمويل برأس المال، على أساس معدل ضريبي حدي للشركة. فيجب استبعاد هذا الانحياز، ليس فقط من ناحية الكفاءة (معهد الدراسات الضريبية، IFS  منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، 1991)، بل أيضًا من أجل تشجيع إحداث مزيد من المرونة حيال الصدمات المالية (Wallich, 1977 ; Gertler and Hubbard, 1993). وفي الحقيقة أن التكاليف الخارجية للتمويل بالدين تبين أن الحافز الضريبي يجب عكسه بدلاً من استبعاده (Bernanke et al., 1990, p. 275 ; Chapra, 1985, p. 89).

الدين والانحياز التضخمي

 

يرتبط نمو الطلب التجميعي في الاقتصادات الانغلوسكسونية الآن ارتباطًا محكمًا بإدارة القطاع الخاص وقدرته على الاقتراض (Bell, 1976 ; Cameron, 1993). ومثل هذه الديون نادرًا ما تكون مربوطة indexed، ومن ثم فإنها تؤدي إلى إدخال تحيز تضخمي في الناتج؛ خيار التضخم الذي يواجهه صناع السياسة النقدية، ولاسيما في حال نزول الدورة.
إن إدارة المنظمين في اللجوء إلى الدين، معبرًا عنه بوحدات اسمية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتوقعاتهم الخاصة بالصدمات النقدية المستقبلية والحقيقية. وهذا الفهم يضع بالضرورة قيودًا على السلطة النقدية. فتكاليف التسليم إذا كانت أقل من معدلات التضخم المتوقع ... هي تكاليف عالية.
فالناتج يهبط، والتخلف عن الدفع يرتفع، والمجتمع يتحمل مزيدًا من الخسارة المضاعفة deadweight loss، المرتبطة بالإفلاس، عندما يكون هناك تضخم ( أو مكافحة تضخم ) غير متوقع. ومن جهة أخرى، فإن التضخم غير المتوقع يظهر أنه نافع. وفي الحدود التي تحاول فيها السلطة النقدية ضبط الاقتصاد، فإن الأخطاء في جانب النزول تميل إلى التحرر من ظاهرة انكماش الدين الفيشرية Fisher debt deflation phenomemo (Jefferson, 1994, p. 52 ; See also B. M. Friedman, 1990).
ويتعزز هذا التحيز التضخمي بالتزام صانعي السياسة باجتناب الإخفاقات المصرفية الواسعة الانتشار، خلال فترات الهشاشة المالية. بالإضافة إلى زيادة معدلات الفائدة الحقيقية الطويلة الأجل، فإن الراحة الأبدية للمدينين، من خلال التضخم غير المتوقع، تولد المخاطرة الأخلاقية، ويستمر القطاع الخاص في زيادة مستوى الرفع في الاستدانة، على أساس توقع من يطلق سراحه بكفالة (Davis, 1992, p. 103). وهذه الاعتبارات تشرح جزئيًا لماذا رفع القطاع الخاص في المملكة المتحدة مستوى الأسعار 20 مرة في فترة ما بعد الحرب. وبالنظر للمستوى العالي نسبيًا للمديونية في القطاع الخاص بالمملكة المتحدة، فإن خروج الاسترليني من آلية معدل الصرف الأوربي يظهر أنه لا يمكن تجنبه في نهاية المطاف.
هدف هذه المناقشة ليس الادعاء بأن التمويل القائم على الفائدة هو السبب الوحيد لعدم الاستقرار، في الاقتصادات الرأسمالية، ولا أن الاقتصاد غير القائم على الفائدة سيكون بدون دورات. هدف هذه المناقشة هو بالأحرى بيان أن التطورات النظرية الحديثة والتجربة تؤيد الفكرة القائلة بأن الاقتصاد القائم على التمويل بالمشاركة قد يكون أكثر استقرارًا من نظيره القائم على التمويل بالدين. فالمنافع هي تكلفة رأس مال أقل، وناتج أكبر، ولكن خيار التضخم قد يكون كبيرًا.

 



7
مسائل أساسية في النظام المصرفي الإسلامي

 

 

مقدمة
آثار النظم الاقتصادية والمصرفية الإسلامية يتعانق بعضها مع بعض. وفي كتاب من هذا النوع، ليس من الممكن مناقشة كل فرع من فروع النظام. في هذا الفصل يتم فحص بعض الموضوعات المهمة، من وجهة نظر الاقتصاد غير القائم على الفائدة، لكن لا يمكن الادعاء بأن هذه الموضوعات هي بالضرورة أهم الموضوعات، ولا أن تغطيتها شاملة. فإن مسألة رأس المال في الإسلام تستحق وحدها كتابًا كاملاً، وقد عولجت هنا معالجة عابرة وسطحية(1). والموضوعات الأربعة المختارة هي: السلوك الادخاري، وتخصيص الأموال القابلة للقرض، والاستقرار المصرفي والمالية العامة، والاقتراض الحكومي إذا وجد. وقد تم  اختيارها لأنها تعبر عن  اهتمامات المؤلفين، لا أكثر ولا أقل.

السلوك الادخاري في اقتصاد غير قائم على الفائدة

 

هناك نقطة ضعف نظري محتمل في مقترحات النظام المصرفي غير القائم على الفائدة، غالبًا ما تذكر، وهي احتمال تأثيره على السلوك الادخاري، فإذا كان عرض الادخار عالي المرونة حيال الفائدة، والمدخرون لا يمتنعون عن الاستهلاك بدون توقع عائد حقيقي موجب "اقناعهم" (Santoni and Stone, 1981)، فإن مفهوم اقتصاد السوق القائم على غير الفائدة يبدو أنه يتعذر الدفاع عنه. ومع ذلك، فإن الثاني في وزن الحجج يفيد بأن إدخال النظام المصرفي القائم على المشاركة في الربح والخسارة قد يكون له أثر غير محدد على السلوك الادخاري التجميعي، بل ربما يرفع متوسط الميل إلى الادخار، وعرض الأموال القابلة للقرض من الوساطة المصرفية. هناك عدة جوانب في هذه الحجة.

تفاهة الادخار المرتبط بالعائد

 

أول جواب للمتشائمين من الادخار هو أن نسبة الادخار التابعة لتوقع عائد حقيقي قد تكون تافهة. لقد اقترح (Keynes, 1936, p. 107) سبعة دوافع للادخار، بالإضافة إلى الرغبة في التمتع بـ "استهلاك حقيقي كبير بتاريخ لاحق". فحتى لو أن الادخار الحدي لم يجتذب أي عائد حقيقي، فإن هناك عدة دوافع أخرى تبقى (مثل الادخار للشيخوخة)(2). وإن انخفاض مرونة الادخار حيال الفائدة قد يتأتى من تفوق الدخل على آثار الاستبدال في خيار الاستهلاك / الادخار، لأن معدل العائد يختلف.

ردة فعل المدخرين أمام تباين أعلى في العائد

 

مثل هذه المناقشات قد تكون لها صلة بمجتمع اشتراكي أو رأسمالي، لا يجتذب فيه الادخار أي عائد حقيقي، ولا ينطبق بالضرورة على نظام مصرفي قائم على المشاركة. فيجب الاستمرار في دفع عائد حقيقي لأصحاب الحسابات الاستثمارية، غاية ما هنالك أن يرتبط هذا العائد مباشرة بربحية محفظة الأصول لدى المصارف، ومن ثم فإنه مقترض نظريًا لوقوع خسائر اسمية في القيمة. ولذلك فإن المسألة المهمة هنا هي كيف تكون ردة فعل المدخرين أمام إلغاء الأصول التي تحمل عائدًا خاليًا من المخاطرة، واستبدال حسابات استثمارية قائمة على المشاركة بها، مع افتراض مزيد من مخاطرة رأس المال وتباين العائد Return Variance.
هناك مسألتان يجب التمييز بينهما عند دراسة ردة فعل المدخرين حيال تزايد المخاطرة. فمن المفترض تقليديًا أن الأطراف الكارهة للمخاطرة، عندما يواجهون مزيدًا من مخاطرة الدخل، يرتفع معدل ادخارهم المفضل، لأنهم يحاولون بلوغ نفس الهدف المتوقع لمستوى الثروة الحقيقي (Fisher, 1930 ; Boulding, 1966, p. 534-535)(3). ومع ذلك عندما يواجه المدخرون الكارهون للمخاطرة مزيدًا من مخاطرة رأس المال، وهي أن عوائد الأصول المتوقعة تبقى ثابتة لكن تباينها يتزايد، فإن التوقع المعتاد هو أن تهبط تلك المستويات الادخارية المرغوبة، بسبب الجاذبية الزائدة للاستهلاك الجاري أمام زيادة الاستهلاك المستقبلي غير المؤكد (Marshal, 1930, p. 226)، ويتعزز هذا التوقع بنظرية اختيار المحفظة وفق متوسط التباين المعياري(4)، وهي النظرية التي تتنبأ بأن استبعاد فرص القرض الحامل للفائدة، الخالي من المخاطرة، سوف تخفض حجم المحفظة المرغوبة لمستثمر كاره للمخاطرة، وتجعل ناتج باريتو الأمثل غير ممكن التحقيق. ومن ثم يعتقد بريور (Pryor, 1985) أن النظام المصرفي القائم على المشاركة قد يولد متوسطًا أخفض في الميل الادخاري.
لكن عندما تمت صياغة قرار الادخار في ظل مخاطرة رأسمالية متزايدة، وُجد أن هناك حساسية عالية تجاه الفرضيات الخاصة فيما يتعلق بشكل كراهة المخاطرة، وقياس المنفعة، والاتجاهات النسبية للدخل، وآثار الإحلال ضمن دالة منفعة الوكيل(5). ومن ثم فإن النماذج النظرية لا تقدم توقعًا محددًا للتغيرات في السلوك الادخاري، التي قد تنشأ من مخاطرة رأسمالية أكبر(6). والتفسير الحدسي لهذا هو أنه إذا زادت المخاطرة الرأسمالية، فإن الأطراف الكارهين للمخاطرة سوف يشعرون بميل أقل لتعريض مواردهم لاحتمال أكبر في الخسارة (أثر الإحلال)، ولكنهم سوف يعتقدون أيضًا أن زيادة المخاطرة تجعل من الضروري زيادة الادخار، للوثوق من بلوغ هدف مستوى استهلاك مستقبلي (أثر الدخل). وحيث إنه لا يوجد توقع نظري مسبق للأثر الذي سوف تكون له الغلبة، يصبح أمرًا عمليًا ما إذا كانت المدخرات التجميعية سترتفع أو ستنخفض، بناءً على النظام المصرفي القائم على المشاركة، على الرغم من آثاره على متوسط عوائد الادخار (Iqbal and Mirakhor, 1987, p. 6 ; Haque and Mirakhor, 1989).

مخاطر ودائع المشاركة في الربح والخسارة

 

استبعاد الأصول الخالية من المخاطرة، والحاملة للعائد، قد يخفض بالضرورة المدخرات التجميعية. ومع ذلك فإن التباين المسبق للعوائد الحقيقية لحسابات المشاركة قد لا يكون أكبر من نظيره في الحسابات الحاملة للفائدة، في نهاية المطاف. فأولاً يمكن للمصرف غير القائم على الفائدة أن يستمر فيها استخدام أساليب نمطية لتخفيض إمكانية تغير عائد الودائع. وهذا يتضمن تنويع الأصول المصرفية، ومراكمة احتياطيات السيولة (Siddiqi, 1983a, p. 23-4). وبالإضافة إلى ذلك، قد ينقص تباين العائد الاسمي، بإدخال أصول غير قائمة على المشاركة (مثل الأموال التي يمكن تقاسم ريعها) في محفظة المصرف، وقابليتها لرفع الربح المتبقي، حتى من تباين أكبر، إلى المساهمين. ومن ثم فإن أصحاب الحسابات الاستثمارية قد يعانون من انخفاض جوهري في العوائد اللاحقة، فقط عندما يكون هناك هبوط واسع في الربحية (Siddiqi, 1983c, p. 182).
ثانيًا إن مخاطر الودائع المصرفية التقليدية، وتباين عوائدها الحقيقية، بعيد عن أن تكون قليلة. وعلى الرغم من تزايد إمكانية المصرف القائم على الفائدة في أن يصبح عاجزًا عن الدفع (انظر أدناه)، إلا أن مودعي المصرف التقليدي يواجهون نوعًا كبيرًا من عدم التأكد بالنسبة لمعدل الفائدة الحقيقي. ليس فقط باستطاعة المعدلات العائمة الاسمية أن تتغير على نحو غير متوقع، بل هناك أيضًا حاجة لوجود صلة ضرورية بمعدل التضخم السائد (Ahmad et al., 1983b, p. 20). ومن ثم فإن المودعين التقليديين (وحملة السندات) معرضون لخطر انخفاض غير متوقع في العوائد الحقيقية اللاحقة، مع مكاسب غير متوقعة للمقترضين. ومع ذلك فإن العائد على محفظة المصرف القائم على المشاركة سيربط بمستوى الأسعار إلى الحد الذي يرتبط به متوسط الربح والريع بحركات الأسعار. ومع أن هذا الترابط غير تام إلا أنه يجب أن يكون قويًا بما يكفي لتقديم بعض الانخفاض في المعدل الحقيقي لتباين العائد الذي يعاني منه مودعو المشاركة (Karsten, 1982, p. 131-3, S.R. Khan, 1987, p. 157)(7).
وعليه فإن من المغامرة القيام بتنبؤات مسبقة، بخصوص مستويات الادخار التجميعي في اقتصاد خالٍ من الفائدة. فإذا قدمت للمدخرين أصول لها نفس العائد المتوقع، ولكن مع تباين أكبر، فإنه ليس من المؤكد ما إذا كانت الميول الادخارية سترتفع أو ستنخفض. ومع ذلك، من الممكن أن تكون العوائد الحقيقية لودائع المشاركة أعلى و/أو متسمة بتباين لاحق أقل في أي حالة.

مسائل ذات صلة

 

هناك نتيجة ممكنة لتحريم الفائدة، وهي أن المدخرين الكارهين جدًا للمخاطرة قد يفضلون الحسابات الجارية المضمونة أو النقود (عندما يكون التضخم منخفضًا)، والسلع المعمّرة والمعادن الثمينة (عندما يكون التضخم مرتفعًا). ومن هنا قد يحدث انخفاض في عروض الأموال القابلة للقرض، من خلال وساطة النظام المصرفي. وفي ظل النظام الإسلامي، فإن مثل هذه النزعات للاكتناز غير المنتج يعوضها فرض الزكاة على الثروات العقيمة  S.R. Khan, 1987. P. 102)). ومن ثم تخيل محمود أبو السعود (Abu Saud, 1980, pp. 80-1)) إدخال نقود تتناقص قوتها الشرائية بصورة صريحة، إذا اكتنزت النقود بإفراط (Gesell, 1980). ودافع منّان (Mannan, 1970, pp. 220-1) عن فرض ضريبة على الحسابات الجارية، إذا تم تفضيلها بإفراط على الودائع المصرفية الاستثمارية (See Kennedy, 1988, pp. 27-30).
هناك مشكلة للمدخرين في اقتصاد المشاركة، وهي مشكلة وجوب مراقبة المصارف مراقبة أشد (Economist, 1992a). فعلى المودعين التقليديين الإشراف على خطر عدم ملاءة مصرفهم(8)، ولكنهم سيتقاضون تقريبًا معدلات فائدة موحدة من أي مصرف يختارونه. ومع ذلك يحتاج مودعو المشاركة إلى فحص الاستراتيجية الاستثمارية لمصرفهم، ونوعية إدارته، ونسبة الأرباح الموزعة على المساهمين، لأن عوائدهم تتبع مباشرة هذه المتغيرات. وهناك مسألة نظرية حول مصرف يصدر خصوم ودائع متغيرة القيمة، وهي أن الإدارة قد يغريها استخدام المهلة الممنوحة بغرض متابعة مصالحها الخاصة، بدلاً من تعظيم قيمة الودائع (Goodhart, 1987, p. 87).
هذه المشكلات الكامنة يمكن التقليل منها، إذا عمل المصرف غير القائم على الفائدة في بيئة مناسبة. ويمكن تقليل تكاليف إشراف المودعين إلى حد كبير بفحص المصرف المركزي مصداقية المعايير المحاسبية في المصرف، وتنظيم منع الدخول في مخاطرات مفرطة (كما في المصارف التقليدية، يمكن للمصارف القائمة على المشاركة أن تمتنع عن تركيز محافظها العامة في أصول متموّل واحد أو قطاع واحد). وما هو أهم من هذا هو أن المصارف في الاقتصاد غير القائم على الفائدة يجب أن تبقى تنافسية(9)، ولاسيما من حيث عوائد الودائع. فهذا يقدم إشارات سعرية للمودعين، لتمكينهم من تحويل أموالهم إلى الوسطاء الأكثر كفاءة، ومن ثم تقليل ضعف النظام حيال المخاطرة الأخلاقية(10). ومن ثم فإن هناك انتقادات ذات حجج معاكسة تقول بعدم استقرار الودائع، لأن الأموال سرعان ما تتحول إلى المصارف التي تعلن عن عوائد عالية. ومع ذلك فإن هذه النزعة قد يجري تعريفها بتكاليف الصفقات وفترات السحب التي تنطوي عليها. وعلاوة على ذلك، فإن صناديق الوحدات الاستثمارية Unit Trust تعمل على أساس مشابه، ومن المرغوب فيه نظريًا أن تذهب الودائع إلى أكثر الوسطاء كفاءة.

تخصيص الأموال القابلة للقرض في اقتصاد غير قائم على الفائدة

 

من الانتقادات الرئيسة التي توجه للنظام المصرفي القائم على المشاركة هو أن استبعاد الفائدة يؤدي إلى استبعاد الإشارة السعرية الوحيدة التي تخصص الأموال القابلة للقرض تخصيصًا فعالاً بين الطلبات المتنافسة، وتحفظ التوازن بين الادخار المخطط والاستثمار. فمن المتوقع إذن تخصيص غير فعال للأموال القابلة للقرض وإنتاجية أدنى. وتعتمد هذه النتيجة على فرض أن ليس هناك بديل لمعدل الفائدة يكون مخصصًا للأموال القابلة للقرض، ويقوم بهذه المهمة بكفاءة في الوقت الحاضر(11). هذان الفرضان مفتوحان للنقاش.

التمويل بوصفه مخصصًا غير فعال للتمويل

 

في اقتصاد افتراضي تكون فيه الأسواق والمعلومات كاملة، يكون التخصيص ذو الأولوية الأولى للأموال القابلة للقرض تخصيصًا قابلاً للإنجاز. فكل المشروعات الاستثمارية التي تتجاوز عوائدها معدل الفائدة السائد في السوق قد تتلقى التمويل(12). فإذا ازداد عرض الأموال القابلة للقرض، هبط معدل الفائدة، وازداد عدد المشروعات ذات الجدوى. هناك مخاطرة واحدة، فالتخصيص ذو الأولوية الأولى قد يؤدي إلى تمويل المشروعات التي تكون أرباحها المتوقعة أعلى. ويكون دور المنشآت المالية الوسيطة في مثل هذا الاقتصاد هو تحويل وتركيز الموارد من أصحاب الثروات الذين مشاريعهم غير قابلة للحياة، إلى المنشآت والمنظمين أصحاب المشاريع ذات العوائد المتوقعة الأعلى (Goldsmith, 1969, pp. 392-3). ويزداد النمو الاقتصادي بهذه العملية. لكن هناك عدة أسباب للشك في أرجحية مثل هذه النتيجة في النظام الاقتصادي القائم على التمويل بالدين. وكلها تدور حول ملامح عقد الدين النمطي: عائد غير احتمالي (فائدة)، ومطالب الضمان، والإشراف المفصل فقط في حالات عدم الملاءة. وكل أمر من هذه الأمور يسهم في اعتقاد أن التمويل بالدين لا يمكنه إنجاز مقاربة التخصيص ذي الأولوية الأولى (First-Best Allocation) (13).
أولاً حقيقة أن المقرضين لا يتلقون أي حصة من الربح الصافي من المقترضين ذوي المشروعات الناجحة، ولكنهم قد يقعون في خسائر من جراء تمويل المشروعات غير الناجحة، تؤكد أن المقرضين سينحازون ضد تمويل المشروعات ذات المخاطرة، حتى لو توقعوا منها عوائد أعلى. ففي الواقع، بما أن المقرضين لا يكسبون من المقامرة الناجحة، ويخسرون من المقامرة غير الناجحة، فإنهم لن يقامروا أبدًا، حتى لو كان من المثالي اجتماعيًا عندهم أن يفعلوا ذلك(14). ومن ثم فإن المصارف لن تميل إلى تمويل المشروعات ذات العوائد المتوقعة العالية، بعد حساب الخطر، ولكنها تميل إلى تمويل المشروعات التي لها أعظم تدفق نقدي ثابت. وهذه النتيجة تنحرف كثيرًا عن التخصيص ذي الأولوية الأولى (15).
ثانيًا يؤسس التمويل بالدين نموذجًا للفائدة واستهلاك السندات في المستقبل. وهذا ما يفرض على المقترض أن يتأكد من أن التدفق النقدي الكافي هو متاح في الفترات الوسيطة، بما يقلل من تكاليف الإشراف. لكن هذا يحرف تقديم التمويل بالدين باتجاه المشاريع ذات التدفقات النقدية المبكرة والثابتة، ويسهم في تأييد دورة الإقراض المصرفي، لأن التدفق النقدي في المنشآت، والوصول إلى الائتمان، يختلف طردًا مع نمو الناتج (Webb, 1993). غير أن  هذه المشاريع ليست هي بالضرورة المشاريع ذات القيمة الحالية الصافية العليا. ولهذا يمكن للتمويل بالدين أن يسهم في اختيار المشاريع ذات الأجل القصير، عندما لا يتاح التمويل برأس المال (Jacobs, 1991, p. 129) (16).
ثالثًا إن التأكيد على تقديم الضمان على أنه شرط مسبق معتاد للتمويل، يضمن أن لا يقدم التمويل بالضرورة إلى المشاريع التي لها أعلى العوائد المتوقعة، ولكن إلى تلك التي لها أفضل ضمان (Siddiqi, 1983a, p. 71). هذا هو الجواب الرشيد للمقرضين الذين يتلقون عائدًا قليلاً مباشرًا لتمويل المشاريع الناجحة ذات المخاطرة، ومن ثم فإن أولئك المنظمين الذين لهم مقترحات مشاريع واعدة جدًا سيحرمون من التمويل بالشروط المعقولة(17)، لصالح المنشآت الكبيرة الحسنة التأسيس، ولصالح المنظمين من أصحاب الثروات الكبيرة. وعلى هذا فإن التمويل بالدين يميل إلى تطويق أوضاع السوق للمنتجين الحاليين، بإمكان استبعاد الداخلين المنافسين (Galbraith, 1975b, pp. 186-297).
وأخيرًا فإن عوائدهم غير الاحتمالية والضمانات تؤكد أن المقرضين يكون لديهم القليل من الحاجة إلى التمييز ضد طلبات القرض غير الإنتاجي، أو الإشراف على تصرفات المقترضين خارج نطاق الإفلاس (Stiglitz, 1985, p. 143). وهذا ما يمكن أن يؤدي إلى تكلفة أقل لرأس المال، ولكن قد يؤدي إلى تخصيص استخدام الأموال القابلة للقرض بما هو أدنى من الوضع المثالي. فمثلاً لا تحتاج المصارف إلى التحيز في إقراضها ضد الاستخدامات التي تظهر هنا أنها أقل نفعًا اجتماعيًا (مثل الائتمان الاستهلاكي والمضاربة)، شريطة أن تكون هناك أرجحية كافية لمدفوعات خدمة الدين المستمرة (S.M. Ahmed, 1947). وأكثر من ذلك، فإن لدى المصرف حافزًا قليلاً للتأكد من أن المقترض يعظم الأرباح. وعلى المنشآت المالية الوسيطة أن تكون مصدرًا قيمًا للمشورة الإدارية والخبرة للمقترضين التجاريين منها، بسبب فرصهم في التخصص في المهارات اللازمة والرقابة الوثيقة على تصرفات المقترض. ولا يحدث هذا تلقائيًا، نتيجة عقد الدين النمطي الذي لا يعطي المقترضين عائدًا مباشرًا للتأكد من الاستخدام الفعال للموارد المقرضة. وعلى هذا فإن المصارف التقليدية هي الدائنة للمقترضين التجاريين منها، وليست شريكة لهم (Anwar, 1987b, p. 83). ومن العجيب أن يصمم التمويل بالدين للاقتصاد في تكاليف الإشراف، ومع ذلك فإن هذا الإشراف غير الكافي قد يقع.

توضيح : دين البلاد النامية

 

ربما يكون أوضح مثال حديث على سوء تخصيص الموارد القابلة للقرض، والذي يُعزى إلى التمويل القائم على الفائدة، هو الازدهار والانهيار في الإقراض السيادي للبدان النامية، من قبل المصارف التجارية الغربية، منذ منتصف السبعينيات. وعلى الرغم من التحليل الشامل، قليلون الذين اعترفوا أن السبب الجذري الضمني للانهيار هو عدم منطقية تخصيص رأس مال التمويل للبلدان النامية التي تستخدم الدين الحامل للفائدة، بدلاً من العقود ذات العوائد الاحتمالية الصريحة(18).
إن الأسباب المباشرة للأزمة معروفة جيدًا (Congdon, 1988, chs. 4-5). فالمصارف أقرضت، والبلدان النامية اقترضت، دولارات نفطية كثيرة في وقت انخفاض أو سلبية معدلات الفائدة الحقيقية، والارتفاع السريع لأسعار السلع. وفي مطلع الثمانينيات، ترافق ارتفاع معدلات الفائدة العالمية مع انهيار في شروط التجارة في البلدان النامية المدينة مديونية كثيرة، وهذا ما أكد أن معدلات الفائدة الحقيقية الفعلية على الكثير من الديون قد ارتفعت ارتفاعًا مأساويًا (Eichengreen and Portes, 1987, p. 41). ومن أجل المحافظة على مدفوعات خدمة الدين، والتأهيل لقروض الوكالة المتعددة الأطراف، أجبرت معظم البلدان النامية على زيادة صادراتها زيادة مأساوية، وعلى الخضوع لبرامج التكييف الهيكلي الصارمة لصندوق النقد الدولي. وشملت النتائج التدهور الواسع للبيئة العالمية، لأن البلدان المدنية كانت لإنتاج محاصيل نقدية للتصدير (George, 1988, ch. 10)؛ وكان صافي تمويل المواد من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة، هو المساعدة والمزيد من القروض على الرغم من كل شيء(19)؛ واقتطاعات جوهرية من الدخول الحقيقية لأكثر جماهير العالم نقدًا، لسداد القروض التي لم يجنوا منها إلا القليل من النفع. وضاعت حياة الملايين نتيجة ذلك، وفسدت صحة وتعليم ملايين أخرى (Jolly, 1989).
إنه يجب اقتسام مسؤولية هذه المأساة. فالمصارف التجارية أقرضت مبالغ هائلة، بعلاوات مخاطرة دنيا، بدون مراعاة ملائمة لإمكانية تغير الظروف الاقتصادية، وللاستخدامات التي وجهت إليها القروض، وللممارسات المصارف الأخرى التي شاركت في الأفكار النظامية. وعانت حكومات البلدان النامية من سوء استخدام الموارد المقترضة في تمويل العجز العام، ومن هروب رأس المال، والسلع الترفيهية، ومستوردات الأسلحة، ومشروعات "الفيل الأبيض" التنموية(20). هذه الأخطاء ممكنة، إلا أنه يمكن أن تُعزى بصورة أساسية إلى كلفة رأس المال المقترض المقطوعة الصلة عن ربحية استخدامه. وكان المقترضون ميالين إلا الإفراط في إلزام أنفسهم بتكلفة رأس مال حقيقية منخفضة اصطناعيًا. على أنه لو تم تحديد عائد معقول ذي صلة بالربح، لربما تلطف الطلب القروض بصورة متعقلة . لكن الإفراط في الاقتراض كان أيضًا :
نتيجة المقرضين، فهم بسبب أعباء الفائدة الثابتة، لا يرون أنفسهم مشاركين بالكامل في مخاطر المشروع، ولهذا لا يخصصون طاقة كافية لتقدير الأخطار. فلو كان النظام المصرفي أكثر صراحة في مقاربته من تقدير الأخطار، وتحمله مزيدًا من المسؤولية، من حيث استخدام الأموال استخدامًا فعالاً ومفيدًا، لأمكن تجنب العديد من المشكلات الحالية للدين الدولي (Presley, 1988, p. 61) (21).
ومن ثم فإن الوساطة المالية غير القائمة على الفائدة ربما خصصت الأموال بطريقة أكثر حذرًا وفاعلية، ومسبقًا بواسطة تقييد التمويل بالنسبة للمشاريع التي يتوقع لها بصورة معقولة أن تصل إلى عائد قابل للتحول إلى نقد. ولاحقًا إذا أثبتت المشاريع عدم نجاحها، فإن الاقتصادات المتمولة لن تتحمل مدفوعات خدمة غير قابلة للتأييد(22).
لهذا ليس من المفاجئ أن مقايضات الدين – رأس المال (Debt-Equity Swaps) قد نوقشت كطريقة لربط كلفة رأس المال بالقدرة على الرفع من جانب مقترضي البلدان النامية، على الرغم من مخاطراتهم وعوائقهم(23). فليس من العجيب أن يستطيع النظام المصرفي الكوني البقاء حيًا ويتجاوز الأزمة، فقط بمعونة الحكومات الغربية وضمانتها(24)، في حين أنه يلحق الأذى بسكان العالم، والبيئة، والاقتصاد المتشكل. وقد ثبت مؤخرًا أن المصرفيين التجاريين قادرون على الاعتراف بأخطاء الماضي(25). لكن لسوء الحظ، فإن الدروس التي تم تعلمها في أزمة الدين التي هيمنت في الثلاثينيات قد نسبت :
يجب أن تكون صفقات القروض الاقتصادية الدولية في استخدام حصائل القرض من أجل الدخل القومي وتحويل طاقة البلد، بمبلغ يعادل على الأقل مجموع خدمة القرض أثناء كامل فترة تداوله. وعندما تستخدم الحصائل في مشاريع لا تدرّ أرباحًا، فإننا نفقد معظم العناصر الأولية لتطبيق هذه المعايير. ويبدو أن العالم لا يخسر، بل يكسب، إذا أدت التغيرات في التنظيم المالي إلى تصعيب الحصول على مثل هذه القروض (Loveday, 1933, p. 418).

الخصائص التخصيصية للتمويل بالمشاركة

 

بالنظر لهذه الاعتبارات النظرية، والتجربة العملية لصناعة القرار في المصرف التقليدي، من الممكن أن تتميز الوساطة غير القائمة على الفائدة بكفاءة أكبر في تخصيص الأموال القابلة للقرض. فإذا صار المصرف هو المطالب المتبقي بربح المتمول، وجب أن تتحول العلاقات بين المصرف بعدد من الطرق :
أولاً سيكون للمصرف حافز مباشر لتحديد وتمويل المشروعات التي يتوقع لها أعلى عوائد متناسبة مع الأخطار، وهذا ما يعظم حصة المصرف وقيم الودائع. والحقيقة أن المنافسة على جذب الودائع الاستثمارية يجب أن تجبر مصارف المشاركة للبحث عن التدفق النقدي الأكثر أمنًا(26). وسوف يؤدي العائد الاحتمالي إلى انخراط المصرف في تقويم مسبق للمشروع أكثر صرامة، لكن يجب حسن اختيار المشروع (Karsten, 1982, pp. 111-2; Siddiqi, 1983a, p. 54).
ثانيًا يجب أن يضمن التأكيد على الربحية المتوقعة أن تصبح المصارف أقل اهتمامًا بمتطلبات الضمان. فإذا كان لدى المنظم مقترح مشروع من الدرجة الأولى، ولكن قابلية ثروته للضمان ضعيفة، فإن مصرف المشاركة يجب أن ينظر نظرة أفضل إلى طلب التمويل من نظيره التقليدي(27). ومن ثم فإن النظام غير القائم على الفائدة قد يمول، بطيبة نفس أكبر، المنشآت الصغيرة، برأس مال مخاطر، ويكون أكثر تجديدًا وتنافسية في نهاية المطاف (Gieraths, 1990, pp. 180-1). ويجب أن يؤدي أيضًا الإقراض على أساس جودة المشروع، بدلاً من الأصول القابلة للضمان، إلى مزيد من التحسين في توزيع الدخل والثروة (Abdouli, 1991).
ثالثًا، بما أن المصارف غير القائمة على الفائدة هي من متلقي الربح المتبقي، فإنها سوف تراقب تصرفات المتمول بصورة أكبر. وهذا ما يرفع تكاليف الوكالة في تمويل رأس المال، بالنظر للتكاليف المباشرة اللازمة واستياء المتمولين من مراقبة المصرف. لكن هذا الارتفاع يتم تعويضه بالمزيد من الانضباط والكفاءة في استخدام رأس المال (لأن المصارف تقدم خدمات الإدارة والمشورة إلى المتمولين)(28) ، وبأرجحية  أكبر في بقاء المتمول أثناء فترات التراجع (لأن المصارف سيكون لديها الحافز لمصالحة المتمولين منها بدلاً من سحب التمويل عند أول إشارة قلق). ويشجع التعاقد القائم على المشاركة مقدّمي ومستخدمي رأس المال على لعب مباراة تعاونية، بدلاً من مباراة صفرية.
وأخيرًا فأن العناية في تقويم المشروع ومراقبته، والحصة الربحية المتبقية لمصارف المشاركة، لابد وأن تحولا دون مقترحات المشاريع المضاربية والمفرطة في المخاطرة. وفي حين أن المقرضين على أساس الفائدة هم إلى حد ما محميون من مخاطر المشروع بمتطلبات الضمان والعائد غير الاحتمالي (ويبدو بهذا أنهم يرغبون في تمويل الشراء المضاربي للأموال والشركات)، فإن مصارف المشاركة، التي تشارك في مخاطر وعوائد مثل هذه المشاريع، سوف تكون أكثر حذرًا. وعلاوة على ذلك، بما أن المتمولين بالمشاركة لن يتلقوا إلا حصة من العائد لتعرضهم لمخاطر عالية، فإن بعضهم سوف يقتنع بطلب مثل هذه الأموال. وعليه فإن النظام المالي القائم على المشاركة يجب أن يكون أقل عرضة لارتفاعات وانخفاضات أسعار الأصول، بسبب تقييد الائتمان بالنسبة للمشاريع المدنية والمضاربية.
وبهذا فإن هناك أسبابًا نظرية للاعتقاد بأن تكاليف الوكالة القصيرة الأجل، في التمويل غير القائم على الفائدة، سيتم تعويضها بزيادة مكاسب الكفاءة في الأجل الطويل(Chapra, 1985, p. 218). وبالمقارنة بين ترتيبات "نموذج رأس المال" في المصارف الألمانية والمصارف اليابانية، وبين نموذج التركيز على الدين، في المصارف البريطانية والأمريكية، يختم فرانكل Frankel ومونتغمري  Montgomery:
بأن هناك أسبابًا نظرية للاعتقاد بأن السماح للمصارف بحيازة أسهم رأس المال قد يحسّن حوافز المصارف إلى اتخاذ قرارات تمويلية جيدة. وإن مطالبات رأس المال تجعل من المصرف مطالبًا متبقيًا بصورة أكبر. فإذا كان للمصرف علاقة وثيقة بما يتلقى مع زبونه للحصول على معلومات خاصة جوهرية حول عمل الزبون، وللوصول كذلك إلى رقابة ما على قرارات الزبون، فإن حيازات رأس المال سوف تعطي المصرف حافزًا أفضل لاتخاذ قرارات متزايدة القيمة (1991, p. 293).
وهناك اعتبارات مشابهة دفعت الإيكونوميست للقول بأن :
العمل المصرفي الإسلامي ليس هو فقط ملائمًا للرأسمالية (أي مع تخصيص رأس المال والعمل والموارد حسب السوق)، بل قد يكون من بعض النواحي أكثر ملاءمة من النظام الغربي نفسه (1992a, p. 76).

التوازن الاقتصادي الكلي في اقتصاد غير قائم على الفائدة

 

المسألة الأخيرة بخصوص الخصائص التخصيصية للنظام غير القائم على الفائدة هي تأسيس توازن في السوق للأموال القابلة للقرض. وهنا يدعي المتشائمون أن استبعاد الفائدة قد يؤدي إلى استبعاد الإشارة السعرية الوحيدة التي توازن مسبقًا بين الادخار والاستثمار، عبر السوق، بالنسبة لرأس المال المالي. وقد يتطلب هذا من الدولة تخصيص الأموال القابلة للاستثمار، وفقًا لتقديرها الخاص بالنسبة للأولويات الاجتماعية.
وعلى الرغم من الجدل في هذا الموضوع، بخصوص الدور الذي يلعبه معدل الفائدة في اقتصاد نقدي مفتوح، يجب أن يكون واضحًا أن نظام المشاركة قد يحافظ على الإشارات السعرية لتخصيص الأموال القابلة للقرض(29). ففي أسواق الملكية ورأس المال، قد يستثمر تخصيص رأس المال المالي بالريع وتوقعات الأرباح الموزعة. وفي سوق الأموال المشاركة في الربح، قد توجد إشارتان سعريتان للموازنة بين الطلب والعرض. فليست توقعات الربح في اقتصاد إنتاجي هي التي تؤثر فقط على الطلب على التمويل وعرض الودائع، بل هناك أيضًا نسب المشاركة في الربح المقدمة إلى المودعين والمقترضين الجدد(30)  التي قد تتقلب وفقًا لفائض العرض أو الطلب على التمويل المصرفي. فمثلاً، بالنظر لمستوى الأرباح المتوقعة (31)، يمكن صياغة منحنى العرض المتجه إلى الأعلى للودائع الاستثمارية، مع نسبة مشاركة مرتفعة مقدمة من المصارف. ويجب أن يكون عرض الودائع المصرفية مرتبطًا إيجابيًا بالعائد المتوقع على الودائع، الذي هو نفسه دالة لربح المحفظة المصرفية المتوقع، ونسبة المشاركة المقدمة للمودعين. وبالعكس يتوقع منحنى طلب متجه إلى الأسفل على التمويل المصرفي، مع طلب أقل، ينشأ من نسبة مشاركة أعلى، مع بقاء الأشياء الأخرى على حالها(32).
ولذلك إذا كانت مصارف المشاركة هي منشآت وسيطة تنافسية محضة، بدون أن تكون لها حرية تعديل هوامشها عندما تشاء، فإن فائض الطلب والعرض بالنسبة لأموال المشاركة يتم استبعاده بالحركات التنافسية في نسب المشاركة المقدمة إلى المودعين والمتمولين الجدد. وهذه النتيجة توافق ممارسات التحليل السكوني المقارن (Comparative Statics) التي تبين الخصائص التوازنية لمثل هذه السوق(33)، وتؤدي إلى توقع تعادل معدلات العائد حسب المخاطر في اقتصاد غير قائم على الفائدة (Ariff, 1982a, p. 7). وبهذا تضع توقعات الربح إشارة تخصيصية مجدية تمامًا، وتجعل معدل الفائدة غنيًا بالكامل عن غرض تكوين توازن اقتصاد كلي (Siddiqi, 1983c, pp. 180-1).
ولكن لسوء الحظ، فإن القضية المرفوعة على الفائدة قد بولغ فيها إلى حد ما، عند اعتبار دور الفائدة في تأسيس مستوى النشاط. فقد بنى بعض المؤلفين المسلمين على نتيجة كينز، من أن معدل الفائدة النقدي يمكن أن يقف على مستوى مرتفع جدًا لتأمين التشغيل الكامل، للادعاء بأن وجود رأس مال قرض حامل للفائدة "قد يديم توازن التشغيل الناقص" (M. Ahmad, 1967, p. 180; see Mannan, 1970, p. 169). لكن هذه النتيجة ساذجة جدًا، ذلك أن تحليل كينز يتطلب مواصفات صعبة حتى يكون متماسكًا نظريًا (Mills, 1989)، والتجربة ألقت بظلال من الشك على الأثر العملي لتقلبات معدل الفائدة على النشاط الحقيقي(34).
ومع ذلك فهناك استئناف منطقي في هذه الفكرة. فالفائدة هي ثمن الائتمان. ولا تتصل تلقائيًا بالربحية المتوقعة للنشاط الإنتاجي. ومن ثم سيكون هناك فرص يكون فيها معدل الفائدة الحقيقي مرتفعًا وآخذًا في الارتفاع، ويكون العائد الحقيقي المتوقع على الاستثمار الإنتاجي منخفضًا وآخذًا في الانخفاض، ومعدل الفائدة يتحرك في اتجاه ملائم للمحافظة على التشغيل والنشاط الاقتصادي(35). وتقوى هذه الإمكانية بتوقع أن يقلل معدل الفائدة الحقيقي المتزايد الطلب الاستهلاكي، ومن ثم توقعات الربح، ويجعل الاستثمار بالدين أكثر مخاطرة. ولهذا فإن الحركات المعاكسة في معدلات الفائدة قد تؤدي إلى تغيرات انكماشية واسعة في الفائدة على الرغم من أن دالة الاستثمار قد لا تكون مرنة جدًا بالنسبة للفائدة (S.M. Ahmed, 1969, p. 23 ff). وقد لا يمكن الاستمرار في هذا السيناريو في اقتصاد غير قائم على الفائدة، لأن كلفة رأس المال على المنتجين مرتبطة تلقائيًا بالربح المتوقع.

تقدير

 

الكفاءة التخصيصية لمعدل الفائدة تعتبر بدهية في علم الاقتصاد التقليدي. فهناك خارج أدبيات توزيع حصص الائتمان القليل من المنشقين عن أحكام الكتب الدراسية القائلة بأن تلك التحركات في معدل الفائدة توزع حصص عرض الأموال القابلة للقرض على استخدامها الأكثر كفاءة. وحتى الآن يؤدي تمويل الوساطة من خلال العقود الحاملة للفائدة إلى التميز في العرض على المقترضين والمشاريع الذين لديهم ضمانات وتدفق نقدي آمن. وقد لا يكون ثمة افتراض بأن هذه المشاريع لها أعلى قيمة مالية صافية من بين المشاريع المعروضة. ويمارس تخصيص الائتمان الناشئ من هذا دورًا تمييزيًا ضد المنشآت الصغيرة ذات رأس المال الصغير، ويقوي الوضع الراهن، ويزيد في سعة دورة الإقراض (Zhou, 1992).
إن التمويل المستند إلى الفائدة يحدّ من الوكالة القصيرة الأجل وتكاليف الرقابة، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض تكلفة رأس المال. لكن هذه المزايا يتم تعويضها بعدم الكفاءة، في الأجل الطويل في انتقاء المشاريع، وبالدخول في مخاطرات غير ملائمة (انظر دين البلدان النامية). وقد ينشأ عن هذا عدم كفاية الرقابة من جانب المقترضين.
ويدعي القليل من خصوم الفائدة بإمكان وصول نظامهم إلى تخصيص الأفضلية الأولى للموارد القابلة للاستثمار، والتوازن الاقتصادي الكلي على مستوى عالٍ من النشاط في النظرية المتروكة لشأنها في التطبيق. لكن مع ذلك، هناك أسباب كافية للشك في الكفاءة التخصيصية لمعدل الفائدة كإشارة سعرية، وللادعاء بأن المخصص المتصل بالربح يمكن أن يكون أفضل.

 

التمويل غير القائم على الفائدة والاستقرار المصرفي

 

 

المصارف والوسطاء الماليون الآخرون الذين يتلقون الودائع إنما وُجدوا لتمويل أجل وسيولة الأصول المالية. وحتى الآن فإن المصارف التقليدية، بإصدارها خصومًا تحمل فائدة، قيمتها الاسمية مضمونة، وقد يكون استرجاعها تحت الطلب، تدعي هذه المصارف أنها لا تمول أجل وسيولة الأصول. إنها في الواقع تقامر بأن "قانون الأعداد الكبيرة" وثقة المودع، يجب الحفاظ عليهما، لكي تبقى هذه المصارف مليئة وسائلة. لكن التاريخ المبكر للعمل المصرفي مليء بالمناسبات التي لم تفعل فيها المصارف ذلك، فـ "الإمبراطور وجد نفسه بلا أي ملابس". وعليه فإن التنظيم الحكومي وضمان المصارف هما ظاهرة كونية، ولا نزال حتى الآن نشهد الانهيارات والتهافت على السحب. ولا يمكن حل المشكلة الأساسية بمعالجة أعراضها بطبّ نظامي أفضل، لأن السبب النهائي لعدم الاستقرار المصرفي يكمن في التعاقد على أساس الفائدة.

 

لماذا المصارف غير مستقرة؟

 

هشاشة المصرف الفردي تجد جذورها في الوظيفة الأولية للمصارف التجارية: تلقي الودائع وإصدار وعود بإعادة الدفع، يتم تداولها على أنها بدائل للسلع أو النقود الائتمانية. وتستفيد المصارف من ثقة المودعين في إمكانية استرداد ودائعهم، واستقلالية السحوبات من هذه الودائع في الظروف المستقرة، بحيازة احتياطيات جزئية فقط، والحصول على أصول حاملة للعائد بالنسبة للباقي.
ويجد العمل المصرفي ذو الاحتياطي الجزئي تبريره بالرغبة في امتلاك أرباح الإصدار التي تحصل عليها السلطة التي تُصْدر النقود، عندما تعطى خصومها قيمة تبادلية زائدة على قيمتها الذاتية، بفضل قبولها نقودًا (Wilson, 1978, p. XXIII). وفي الودائع التي لا تحمل فائدة، تشكل هذه الأرباح عائد قروض النقود المصرفية التي تتولد بعمليات الاحتياطي الجزئي(36). ومع ذلك عندما تجتذب الودائع فائدة، وتكون المصارف تنافسية، يتم اقتسام هذه الأرباح بين المودعين والمقترضين والمساهمين والدولة (عبر متطلبات الاحتياطي المصرفي). وهكذا فإن "الحدث التاريخي" للمزاوجة بين صفقات ووظائف الوساطة المصرفية تفسره الرغبة في امتلاك ريع أرباح الإصدار.
إن تحويل السيولة والخطر المتولدين من العمل المصرفي ذي الاحتياطي الجزئي ضروريان، ولكنهما ليسا شرطًا كافيًا لعدم الاستقرار. فيجب أن يترافقا مع خصائص العمليات المصرفية الناشئة من عدم التأكد والمعلومات الناقصة. ففي جانب الخصوم، يطالب المودعون أصلاً حاملاً للفائدة وقابلاً للاسترداد عند الطلب، أو بإخطار قصير(37)، بحيث تجبر المصارف على تحمل عدم توافق الآجال بين الأصول والخصوم(38). وبما أن المصرف لا يستطيع توقع الطلب على سحب الودائع في الظروف المتطرفة، فهناك خطر أن تكون الاحتياطيات ومبيعات الأصول والقروض المستردة غير كافية لمواجهة الطلب على السحب. وعليه فإن المصرف المليء قد لا يكون قادرًا على الوفاء  بالتزاماته، لأنه مقيد بأصول طويلة الأجل. فإذا كان هذا متوقعًا فإن المودعين الرشيدين سيعملون على تجنب مهلة الاسترداد.
وفي جانب الأصول، قد تُعزى حقيقة وجود المصرف إلى عدم التأكد والمعلومات غير المتماثلة. فالمصارف تتخصص في إقراض الأفراد والمنشآت الذين لا يستطيعون الحصول بطريقة أخرى على الائتمان بإصدار سندات، بسبب ارتفاع تكاليف الإشراف والصفقات (Guttentag and Herring, 1987, pp. 152-3). ويمكن أن يكون تبرير المصرف مع ذلك هو السقوط المفاجئ. وبما أن نسبة عالية من قروض المصارف  كثيفة المعلومات وحساسة، فإنه لا يمكن دائمًا تصكيكها وبيعها لمقرضين آخرين، عند الحاجة إلى تسييل الاحتياجات بسرعة، بسبب مشكلة الأداء السيء lemons problem (Bergers et al. pp. 755-7). وعلاوة على هذا، فإن عدم التأكد يحيط بإمكانات التخلف عن السداد في المستقبل وقيم الأصول، وتواجه جميع المصارف مخاطر جسيمة في محافظها. وبهذا فإن القيمة الجارية للأصول المصرفية يصعب على المطلعين تقويمها، دع عنك المنظمين والمودعين، وعدم التأكد هذا كان لإحداث "تهافت"، ذلك لأن مجرد التخلف عن سداد قرض كبير يمكن أن يولد شكوكًا في عدم ملاءة المصرف، لا يمكن بسهولة تبديدها(39).
إن الاحتياطيات الجزئية، وعدم توافق الآجال، ومخاطر المحفظة، تجتمع كلها لإحداث توليفة متقلبة، مع إمكان وقوع الفشل المصرفي (Guttentag and Herring, 1982, pp. 101-2). ومع ذلك فإن المنشط الذي يعطي هذا المزيج إمكانية تقديرية هو إصدار ودائع بقيمة إصدار ثابتة. وبغض النظر عن القيمة الجارية لأصوله، يتعهد المصرف بإعادة الدفع إلى مودعيه، غالبًا عند الطلب، بالقيمة الكاملة لودائعه الأصلية، بالإضافة إلى فائدة متفق عليها. ولسوء الحظ، فإن هذا التعهد يقدم إلى المودعين حافزًا للسحب على الفور، إذا ما شكّوا في أن المصرف لا يستطيع أن يواجه جميع التزاماته، لاستباق السحوبات من دائنين آخرين(40). وبمجرد أي إشاعة عن عدم سيولة المصرف أو عدم ملاءته، وحدوث السحوبات، يمكن أن يصبح هذا المصرف نبوءة تحقق نفسها، لأن المصرف يجبر على بيع أصوله بسرعة بأسعار منخفضة، أو يحصل على احتياطيات بأسعار مرتفعة، لمواجهة سحوبات المودعين. ويوجد توازن التهافت هذا لأن المصرف يصدر مطالبات ذات قيمة ثابتة ضد محفظة ذلت قيمة متغيرة(41). فإذا أصدر المصرف خصومًا من نموذج رأس المال (كما في شركات الوحدات الاستثمارية Unit Trusts والصناديق التبادلية)، فإن المودعين لن يكون لديهم حافز عدم الملاءة للتهافت، لأن قيمة ودائعهم ستتقلب تلقائيًا مع قيمة المحفظة الأساسية (Bryant, 1981, p. 459; Freedman, 1987, p.189). وقد يواجه مثل هذا المصرف صعوبات في السيولة، ولكنه لا يمكن أن يصبح معسرًا، لأن خسائره تنتقل إلى مودعيه. وبهذا فإن الإصرار على السحب ينخفض انخفاضًا جوهريًا.
وعليه فإن الجمع بين الاحتياطيات الجزئية، والأصول السائلة، والودائع المضمونة اسميًا، تجعل أي مصرف معرضًا للانهيار، مهما كان حذرًا. ويتوقف استمرار عملياته على ثقة المودعين. ومن الصعب تصور أساس أقل منطقية تدار به ألية الصفقات في الاقتصاد.

لماذا النظم المصرفية غير المستقرة؟

 

العديد في جوانب العمل المصرفي القائم على الفائدة تسهم في عدم استقرار المصارف الفردية، ومن ثم يكون لها آثار ضارة على المصارف الأخرى. وبهذا فإن النظم المصرفية يمكن أن يتزعزع استقرارها بالمنافسة و "العدوى".
وقد تم تاريخيًا تنظيم معدلات الفائدة على الودائع المصرفية، اعتقادًا بأن المنافسة على الودائع تميل إلى رفع المعدلات إلى المستويات التي تستمر فقط في المصارف المعرضة دائمًا إلى زيادة مخاطر المحفظة. وفي حين أن بعض الدلائل النظرية تؤيد هذا الاعتقاد (Bhattaharya, 1982; Smith, 1984)، فإن المنافسة على توسيع محافظ أصول المصارف هي أوضح عنصر مسبق في زعزعة الاستقرار. فالضغوط التنافسية مثلاً تضمن أن تكون المصارف الحذرة محرومة  من اتخاذ الاحتياطيات حيال الحوادث غير المتوقعة، وبهذا تندفع في "قصر نظر كارثي" (Guttentag and Herring, 1986)؛ في حين أن ارتفاع مستويات رأس المال، أو الاحتياطيات، أو توافق الآجال ينطوي على خسارة القيمة بالنسبة للمساهمين، في تلك المصارف التي تريد زيادة مخاطرتها (Holland, 1985, pp. 3-4; Davis, 1992, p. 138). كذلك الحذر يتآكل من قبل موظفي القروض، أصحاب الحراك المهني العالي، والذين يتقاضون أجورهم على أساس نمو الأصول الجارية (Goodhart, 1989).
ويبدو أن ضغوط المنافسة تولد كذلك "غريزة القطيع" Herd Instinct (وبعضهم يسميها خاصية حب اللاموس Lemming-Like Quality) في روح العمل المصرفي، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة إمكانية وقوع الأزمة. لقد ثبت مؤخرًا ميل المصارف الانغلوسكسونية إلى الاستثمار في قروض البلدان النامية، والملكية، والسندات الرديئة Junk Bonds، وعمليات السيطرة بالاستدانة LBOs (Frazer, 1991). وهذا يمكن تفسيره بـ "آثار السمعة (Reputation Effects)" في سوق العمل لموظفي القروض(43)، وبأرجحية أكبر في كفالة الحكومة، إذا كانت المصارف في نفس النموذج من الاضطراب (Wojnilower, 1977). وبالإضافة إلى ذلك بما أن المصارف لا تساهم في أرباح مقترضيها من خلال ترتيبات أسلوب رأس المال، فإن ربحية المصرف يمليها التوسع في محفظة القرض، ولاسيما في المواضع المبتكرة التي أهملها المتنافسون والمنظمون إهمالاً كبيرًا، حيث تكون الهوامش أعلى. وتستمر بعض المصارف الأخرى في المحافظة على حصة السوق، لأن سيولة الأصول الجديدة تزداد مع تطور السوق الثانوية بين المصارف. ومن ثم يحدث إفراط في رافعة المقترضين بسبب ثقة المصرف في استمرار عرض الائتمان من مصارف أخرى لهذا القطاع، وتزداد قيمة الأصول التي تستخدم كضمانات للحصول على المزيد من الاقتراض. وما ينشأ عن هذا من التزامات دينية عالية تجعل المقترضين عرضة للوقوع في التدفق النقدي. وعندما يحدث انخفاض في النشاط، يجد النظام المصرفي نفسه معرضًا أكثر من اللزوم لخسائر كبيرة جراء التخلف عن الدفع. ومن أجل أن تحمي المصارف نفسها من مزيد من المخاطر، فإنها تتحول جماعيًا إلى قطاعات أخرى، وبهذا تكتمل دورة "القطيع Herding Cycle".
كذلك يمكن للنظام المصرفي أن يتعرض، لاحقًا، لفشل أحد أعضائه. ويمكن أن تنتقل هذه "العدوى" بثلاث طرق. أولاً تمسك المصارف نفس أنماط الأصول، وتقبل نفس أشكال الضمانات، لأن السوق الثانوية السائلة متاحة لبيع السندات، أو القروض السنوية، أو الضمانات المستولى عليها، عندما يحتاج المصرف إلى احتياجات. ومع ذلك فإن سيولة مثل هذه الأسواق، أثناء صدمة اقتصادية واسعة، تختفي، لأن العديد من المصارف قد تكون مجبرة على أن تبيع بعضها مع بعض بصورة متزامنة للحصول على الاحتياطيات. ويلاحظ أن هبوط أسعار الأصول يزيد الشكوك في ملاءة المصارف المعرضة للخطر في هذه القطاعات (Schwartz, 1986, p. 21). ولا يمكن للنظام في جملته أن يحول الأصول إلى احتياطيات، وتؤدي المحاولات الفردية في هذا الباب إلى نتيجة جماعية ضارة (Kindleberger, 1989, p. 125).
ثانيًا يمكن أن يؤدي التهافت في مصرف واحد إلى انتشار التهافت على مستوى النظام، بسبب الأهرامات المحكمة للودائع بين المصارف. فالمصرف الذي يطلب احتياطيات سيسترد قروضه من مصارف أخرى، ويلجأ إلى خطوط ائتمانية متفق عليها، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على الاحتياطيات. وقد تصبح هذه الأزمة على مستوى النظام، لأن النظام في جملته قد يستنزف الاحتياطيات، ويمكن أن تتحول الودائع إلى بلدان أخرى، في صورة نقود أو أوراق مالية. وعلاوة على ذلك، فإن المصارف المليئة غالبًا ما تمتنع عن إقراض الاحتياطيات الفائضة  إلى المصارف التي يشتبه في عدم ملاءتها (Saunders, 1987, p. 206).
ثالثًا تؤمن آلية مُقاصّة المدفوعات أنه إذا ما أعلن أن أحد المصارف معسر، سمح له بامتلاك أرصدة كبيرة من مصارف أخرى، وذلك ببساطة من خلال قبول هذه المصارف شيكات زبائن المصرف المذكور. وإن نقص المعلومات لدى المودعين، حول نوعية محفظة مصرفهم، يضمن أنه إذا ما فشل أحد المصارف ثارت الشكوك حول ملاءة المصارف الأخرى التي تمتلك أصولاً مشابهة، أو ودائع متداخلة Interlocking Deposits. ومثل هذه الشكوك يمكن أن تحول طلب المودعين من توازن "ثبات" إلى توازن "تهافت". وبهذا فإن المصارف ذات السمعة الكاملة قد تتدحرج نتيجة فشل المنافسين غير الحذرين.

أجوبة نظامية

 

من أجل منع "التهافت" وعدم الملاءة، تتعهد الحكومات والمصارف المركزية فعلاً بالخسائر التي قد يقع فيها دائنو المصارف النظامية، وذلك من خلال تسهيلات "مقرض الملاذ الأخير"، وتأمين الدولة على الودائع. وقلما تمتد هذه الضمانات إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد الخاص. ومن بين أسباب هذه الأنظمة الامتيازية احتمال التهافت على المصارف المليئة ولكن غير السائلة، واحتمال معاناة النشاط الإنتاجي من انعكاسات قاسية، جراء انهيار أحد المصارف، بسبب خراب ؟؟؟           (Bernanke, 1983). وأهم من هذا أن المصارف تمتلك نظام مدفوعات كضمان من الوقوع في الفشل. فإن التمزق الاقتصادي الواسع الانتشار الذي قد ينشأ من الإخفاقات المصرفية الكثيرة، يعني أن الحكومات تخضع للابتزاز في المصارف الضامنة (Karekan, 1985, 62-3).
مقرض الملجأ الأخير، وضمان الودائع، هنا متشابهان. فكلتا العمليتين تحاول أن تضمن أن لا يكون للمودعين حافز للتهافت، وذلك بدعم السيولة المصرفية أو بضمان قيمة الودائع. وعندما يكون المصرف معسرًا. تحاول كلتا العمليتين منع التهافت، للسماح بتصرف مخطط في الأصول المتبقية للمصرف، من أجل تعظيم قيمتها. وكلتاهما تحاول ألا يؤدي فشل مصرفي واحد إلى تحريك أي عدوى. وبالنظر لقدرة التهافت المصرفي في البلدان المتقدمة، فإن هاتين العمليتين نجحتا في تجنب عدم الاستقرار الذي يهدد العمل المصرفي، القائم على أساس الفائدة والاحتياطي الجزئي. لكن تكاليف مثل هذه التدخلات كانت أقل وضوحًا.

وظيفة مقرض الملاذ الأخير

 

الهدف التقليدي لمقرض الملاذ الأخير هو حماية آلية الصفقات، ومنع العدوى المصرفية، بدون حماية المصارف من أخطاء الحكم. وهذا ما يقصد الوصول إليه باتباع "قاعدة بيجهوتBagehot Rule ": لا تمنح قروض الطوارئ إلا للمصارف المليئة ولكن غير السائلة بمعدلات جزائية (Bagehot, 1873).
وتقع صعوبات مقرض الملاذ الأخير في فئتين: الفئة الأولى أن مشورة بيجهوت لا يمكن تطبيقها كقاعدة. فمن الصعب الحكم ما إذا كان المصرف غير مليء أو غير سائل فقط، في الوقت المتاح، ولاسيما عندما يختلف التمييز حسب تقلبات أسعار الأصول(44). ومن ثم فإن مقرض الملاذ الأخير يقرضون المصارف غير المليئة (Johnson Matthey)، جهلاً أو لأجل الرغبة في استباق ذعر واسع الانتشار. ويختار مقرضو الملاذ الأخير بدون تمييز منافع الاستقرار القصير الأجل على حساب المخاطرة الأخلاقية المصرفية الطويلة الأجل(45). وبالمثل يبدو أن المعدل الجزائي صعب التحميل. فإذا وجد أحد المصارف إعادة تمويل في السوق الخاصة، فإن المعدل الجزائي قد يدفع إلى الإفلاس. وحتى الآن فإن معدلاً ناعمًا سوف يشجع على إفراط المصارف الأخرى في المخاطرة. ومن ثم فإن مقرضي الملاذ الأخير يفضلون التمسك بالسرية حول ما إذا كانوا سيساعدون مصرفًا معسرًا وكيف، لأن المعدل الجزائي ليس تهديدًا موثوقًا.
والفئة الثانية أن حقيقة وجود مقرض الملاذ الأخير تسمح للمصارف بالدخول في مخاطرات إضافية، والاحتفاظ باحتياطيات أقل، وبرأس مال أقل، في حين أن المودعين لديهم حوافز أقل لمراقبة محفظة مصرفهم. ويتم اقتسام المكاسب الناجحة من المخاطر بين المقترضين من المصرف والمساهمين، في حين يتم اقتسام المخاطر بين السلطة النقدية ودافعي الضرائب. وإن تقديم شبكة أمان قد يكون فيه علاج للأزمات الراهنة، ولكنه يزيد في رجحان وقوع أزمات مستقبلية (Kindleberger, 1989, p. 163)، في حين أنه يحمي المصارف غير الكفؤءة من نتائج أعمالها (Schwartz, 1986, p. 27). والغموض الذي يحافظ عليه مقرضو الملاذ الأخير في مقاومة الخطر الأخلاقي المصرفي يجعل بالمقابل التهافت أكثر احتمالاً، في حين أنه يشوه المنافسة المصرفية. وإذا كان من المتوقع أن يقوم مقرض الملاذ الأخير فقط بإقراض بعض المصارف دون البعض الآخر، فإن المؤسسات الكبيرة هي التي سوف تجتذب الودائع بكلفة أقل، لأنها تشكل تهديدًا أكبر على الازدهار الاقتصادي، ويبدو أن من الأرجح أن لا تتلقى أي مساعدة من الآن فصاعدًا (Mayer, 1975). والحقيقة أن مقرضي الملاذ الأخير محكوم عليهم بالإدانة إذا فعلوا وإذا لم يفعلوا (Hirsch, 1977, p. 252).

التأمين على الودائع

 

تغطية مقرض الملاذ الأخير غالبًا ما تقترن ببرامج حكومية للتأمين على الودائع. وقد تم تجريب برامج خاصة، لكنها تبدو ضعيفة عندما تواجه بعدوى منتشرة على مستوى النظام. ولا تأتي التأمينات الموثوقة إلا من سلطة جمع الضرائب أو سلطة خلق النقود. وأهداف التأمين على الودائع هي حماية حد أدنى من الثروة لصغار المودعين، ومنع التهافت على المصارف بتبديد مخاوف المودعين من عدم إعادة الدفع (McCarthy, 1980). وتساهم المصارف المؤمنة بعلاوة ذات معدل عائم لقيمة كل وحدة من ودائعهم.
ومثل مقرض الملاذ الأخير، تواجه وكالة التأمين على الودائع مأزقًا متأصلاً. فالتهافت لن يمتنع إلا إذا كان هناك تغطية 100 % للودائع. ولسوء الحظ، فإن هذا يمثل ضمان قرض حكومي للمودعين، يعطيهم الحافز للرقابة على مصرفهم، مما يشجع على الإفراط في المخاطرة. ومن أجل محاربة مشكلة هذا الخطر الأخلاقي، فإن وكالات التأمين على الودائع غالبًا ما تلجأ إلى شكل ما من أشكال التأمين المشترك بتحديد المبالغ المضمونة. لكن هذا سبّب مشكلات في الولايات المتحدة، بسبب غياب التغطية للودائع الكبيرة، وشهادات الودائع دفعت المودعين من الشركات ومصارف أخرى إلى إثارة "التهافت" حيال المصارف المشبوهة. ومن ثم ففي حالتي  كونتيننتال إيلينويز Continental Illinois(1984) ومصرف دالاس الجمهوري الأول First Republic Bank of Dallas(1988)، وسّعت شركة تأمين الودائع الفدرالية FDIC تغطية التأمين على الودائع إلى 100% من جملة الودائع، لمنع أي تهافت. وهذه السوابق، والإعانة المستمرة لاندماجات المصارف الضعيفة، قد وسعت فعلاً تغطية التأمين على الودائع في الولايات المتحدة إلى 100 %، وقدمت إلى المصارف حافزًا مصطنعًا للنمو، بغرض التمتع بمعونة مخاطرة التأمين على الودائع (Boyd and Gertler, 1993, p. 7)(46).
والآن يوجه اللوم للتأمين على الودائع، لأجل الكثير من الهشاشة في النظام المصرفي في الولايات المتحدة الأمريكية، ولاسيما في قطاع الادخار والقرض. وقد أمّنت علاوة المعدل العائم Flat-Rate Premia أن يقدم دافعو الضرائب والمصارف المحافظة المعنوية إلى قمار مصارف المخاطرة(47)، وسمحت للمصارف بتخفيض نسب رأس مالها (Peltzman, 1970)، وشجعت قطاع الادخار والقرض المضطرب، والمصارف، على محاولة المضاربة على طريقتها للخروج من هذه الصعوبة (Merton, 1978, p. 448; Berlin et al., 1991, p. 739). وعلاوة على ذلك، فإن قطاعات التأمين على الودائع تشوه المنافسة على الادخار لصالح المصارف (وضد حقوق الملكية ... إلخ)، في حين أن الازدواجية التي ستتلقى بموجبها المصارف تغطية دنيا أو 100%، ضد المنافسة المتحيزة لصالح منشآت أكبر، من المرجح أكثر أن تتلقى كامل التغطية(48).
لا يمكن استبعاد هذه الآثار المعاكسة بتحميل علاوات تأمين على الودائع متصلة بالمخاطرة. ومن الممكن وضع علاوات عادلة اكتواريًا للحوادث، مثل التخلف عن سداد القروض، الذي هو عشوائي Stochastic ومستقل، وصعوبة تقدير مخاطرة الأشكال الجديدة للتجارة المصرفية. والقروض غير القابلة للتسويق أو الالتزامات خارج الميزانية. وعلاوة على ذلك، فإن المصارف بمجرد دفع العلاوات تستطيع بسرعة تغيير مخاطرة محفظتها بتكلفة قليلة (Berlin et al., 1991, p. 744)، وسوف تعمل على أن يدعم مقرض الملاذ الأخير التأمين على الودائع الأكثر كلفة (Karekan, 1985, pp. 70-1). ولا يبدو أن هناك علاجًا سريعًا لهذا المأزق الخاص بالمؤمّن على الودائع.
إن التهديد بالانهيار المصرفي والعدوى أجبر السلطة النقدية على التدخل لمنع إمكانية حدوث عدم استقرار واسع الانتشار. وبدلاً من إصلاح الهيكل المصرفي للوقاية من العدوى، اختارت السلطات أن تتعهد المصارف بواسطة تسهيلات مقرض الملاذ الأخير والتأمين على الودائع، بما يضمن نسبة كبيرة من التزامات الدين الخاص (Wojnilower, 1985, p. 356). وبهذا تعبر عن إرادتها في تحويل الخسائر المتولدة عن أخطاء المصارف من المودعين إلى دافعي الضرائب، أو باقي الاقتصاد بلغة تضخم أعلى. وفي هذه الأثناء، هناك حاجة إلى الرقابة ومتطلبات ملاءمة رأس المال، للحد من المخاطرة المفرطة التي قد تحدث إذا لم تطبق هذه الرقابة (Davis, 1992, p. 239).
غير أن عدم عدالة الموقف، والضمانات التي يمثلها التأمين على الودائع ومقرض الملاذ الأخير، وعدم الرغبة في السماح للمصارف الكبيرة مكابدة نتائج أخطائها، كل هذا يسهم في التحيز التضخمي للاقتصادات الغربية (Schwartz, 1986)، وتشويه المنافسة نتيجة إعطاء مزايا للودائع المصرفية على وسائل ادخارية أخرى، وللمصارف الكبيرة على المصارف الصغيرة. إن هذه المشكلات، بالإضافة إلى المصارف التقليدية ذات الاحتياطي الجزئي، ومأزق لا يمكن أن تتجنبه وكالات مقرض الملاذ الأخير والتأمين على الودائع، قد أدت إلى تشكيلة واسعة من مقترحات الإصلاح. وفي بقية هذا الفصل، سوف نتعرض لجدوى الإصلاحات التي ينطوي عليها المعمل المصرفي غير القائم على الفائدة: 100% حسابات احتياطية، وودائع بغير قيمتها الاسمية(49).

100% احتياطي ودائع صفقات

 

الخطر الذي يسببه العمل المصرفي ذو الاحتياطي الجزئي لآلية المدفوعات قد أدى إلى تشكيلة من المقترحات لفصل ودائع الصفقات وودائع الادخار إلى صندوقين أو نموذجين مؤسسين، وذلك للحيلولة دون المعونة المتقاطعة Cross-Subsidization والإصابة بالعدوى(50). وأكثر هذه المقترحات راديكالية(51)هو مطلب احتياطي 100% لكل الودائع السائلة التي يمكن استخدامها كنقود، والتي يمكن السحب منها تحت الطلب، والتحويل بواسطة الشيكات أو البطاقات البلاستيكية. وهذه الاحتياجات المسموحة قد تكون حيازات أو أرصدة في المصرف المركزي.
والميزة الأولية لاحتياطيات 100% هي أنه لا مسوّغ للمودعين تحت الطلب أن يتهافتوا أبدًا على السحب، لأن القيمة الاسمية لأصولهم آمنة بكاملها، ومن ثم يمكن الاستفادة منها فورًا. فالمصارف والسلطات النقدية تعفى من النفقات والآثار التشويهية للتأمين على الودائع، في حين يسمح للمصارف بتحمل نتائج أخطائها في الإقراض، لأن آلية الصفقات محصنة من الفشل المصرفي. فلا يسمح للمصارف بالفشل فحسب، بل قد تتطلب أيضًا تنظيمًا أقل، من حيث خطر المحفظة التي تمسكها في جانب الوساطة. ويكون للمودعين إمكان اختيار ودائع تحت الطلب آمنة بكاملها بدون عائد، أو ودائع لها تشكيلة مختلفة من التركيبات بين الخطر والعائد. وعليه فإن المسؤولية تصبح صريحة في اختيار الوديعة المصرفية، كما هي في شركة الوحدات الاستثماريةUnit Trusts أو صناديق المعاشات. وبالإضافة إلى ذلك، تصبح المصارف حرة في الدخول في الإقراض الطويل الأجل للودائع المؤجلة، لأنها لم تعد بحاجة إلى تقديم إمكانية الاسترداد للودائع تحت الطلب (Fisher, 1935b, pp. 17, 138).
كذلك فإن متطلبات الاحتياطي 100% تعيد أرباح إصدار النقود إلى الدولة. وإن الدولة بسماحها بالعملة التي تصدرها فقط، أو الودائع المدعومة منها، لتكون نقودًا، فإنها تستعيد الرقابة على عملية عرض النقود، وتكون هي المستفيد الوحيد منها. وبافتراض اقتصاد نامٍ، وهدف استقرار الأسعار، فإن المدافعين عن احتياطي الـ 100% يتخيلون توسعًا في عرض النقود الحقيقي من 2-3% سنويًا. ويمكن استخدام المستويات العالية من أرباح الإصدار المتولدة في تخفيض الضرائب، والسداد التدريجي للدين الحكومي(Currie, 1934, pp. 153-4; Fisher, 1935b, pp. 189-90). وبهذا تصبح أرباح الإصدار نافعة لمجموع الأمة.
ومع ذلك فإن أرباح الإصدار  ؟؟    فالخاسرون المحتملون قد يكونون مودعين تحت الطلب، يتوقع منهم تغطية تكاليف إدارة نظام الصفقات. وعندئذٍ فإن المستخدمين يتحملون جميع تكلفة الفرصة البديلة للخدمة المنتفع بها، وهذا ما يقلل تكلفة الإفراط في الاحتياط (52). وإذا كان لإدارة نظام المدفوعات عناصر "سلعة عامة"، كافية لتبرير المعونة، فهذا يمكن تقديمه من خلال منحة صريحة، أو فائدة على الأرصدة في المصرف المركز، أو السماح بالذهب وسندات الخزانة لتصلح احتياطيات، كما في "المصارف الضيقة Narrow Banking" التقليدية (Simons, 1948, p. 235).
ومع ذلك فإن أهم ادعاءات الاحتياطي 100% هي أنه يسهل الرقابة الحكومية على نمو الرصيد النقدي، ويمنع الترتيبات الائتمانية من تكبير الدورة التجارية. وقد رأى فيشر (Fisher, 1935b) و فريدمان (Friedman, 1948, p. 247)، وسيمونز (Simons, 1948, p. 170) مطلب الاحتياطي 100% طريقًا لاستبعاد حرية المصارف في تغيير الرصيد النقدي، والحيلولة دون اللجوء إلى عمليات السوق المفتوحة، بقراراتها الإقراضية. وينشأ استقرار الأسعار من تخفيض نسبة المضاعِف النقدي المصرفي للوحدة الواحدة، وهذا ما يؤدي إلى أن يكون الرصيد النقدي كله خارجي المنشأ.
وليس أقل خلافًا الادعاء بأن الاحتياطي 100% يساهم في الاسقرار الكلي، باستبعاد خلق النقود من عرض الأموال القابلة للاستثمار (Currie, 1934, p. 152). فقد عزا فيشر تقلص عرض النقود في الولايات المتحدة في الفترة 1929 – 1933، وما صاحبه من كساد، إلى نظام الاحتياطي الجزئي الذي يكون فيه عرض الوسيط النقدي تابعًا للطلب على القروض، الذي هو بدوره يعتمد على شيء يتقلب بتقلب ثقة المقترضين. ويبدو أن هدف مثل هذا النظام النقدي مبني على تكبير تقلبات الدورات. وهذا ما يشكل مأزقًا لنا، طالما أن لدينا نظامًا لا يحتاج فيه أحد إلى الدخول في الدين، وهو الزمن الذي غالبًا ما نحتاج فيه النقود إلى حد بعيد، ونأمل فيه أن يتلطف أحد بتهدئتنا بالدخول في الدين (Fisher, 1935b, p. 94; see Soddy, 1926, p. 258)، أي إن الاحتياطي 100% يفك ارتباط عملية عرض النقود عن الطلب على القروض.
وبالرغم من تلقي بعض الدعم من الكونغرس في 1934، فإن المنافع المزعومة للاحتياطي 100% قد بولغ فيها. فمثلاً إذا تحملت المصارف كثيرًا لتشغيل آلية المدفوعات، فعندئذٍ تقدم العوامل الحدية بدائل نقدية تتجنب متطلبات الاحتياطي، في حين تقدم العوامل الحدية بدائل نقدية تتجنب متطلبات الاحتياطي، في حين تقدم المصارف ودائع مؤجلة ذات ملامح نقدية (Angell, 1935, p. 14). كذلك يجب على السلطات النقدية أن تراقب المصارف بإحكام، للتأكد من أن الودائع تحت الطلب لم يتم إقراضها، وأن تراقب قليلاً تغيرات سرعة التداول، وهي تحتاج إلى ممارسة التحفظ على السياسة الضريبية وعمليات السوق المفتوحة بمهارة، إذا كان يجب بلوغ استقرار الأسعار. ولهذا فإن الاحتياطي 100% ليس هو الحل الوحيد لمشكلات الرقابة النقدية (Hart and Walker, 1934-5; Allen, 1993, p. 716).
ومع ذلك فإن أكبر عائق في نظام الاحتياطي 100% (وفي المقترحات الأخرى المتعلقة بالعمل المصرفي الضيق Narrow Banking في هذا الموضوع)، هو أنه وحده لا يقدم نظامًا مصرفيًا يدار بالمجان. ويمكنه تحصين آلية المدفوعات من الهشاشة المصرفية، لكن جانب الوساطة سيبقى خاضعًا للتهافت (Goodhart, 1987, p. 85). وستبقى تسهيلات مقرض الملاذ الأخير، والتأمين على الودائع، وتنظيمات المحفظة، ضرورية إذا كان انهيار المنشآت المالية الوسيطة الكبيرة ذا مخاطرة عالية الكلفة. ومن ثم فإن فصل الصفقات والوظائف الوسيطة غير كافٍ لإقامة نظام مصرفي متين. وهذا ما تحقق على يد بعض المدافعين عن الاحتياطي 100 % الذين ربطوا ضمنًا (Fisher, 1935b, pp. 150-1) أو صراحة (Simons, 1948, p. 169; see James, 1985, pp. 79-80)  مقترحاتهم بالحاجة إلى ودائع بغير القيمة الاسمية.

الودائع بغير القيمة الاسمية

حسابات الصناديق التبادلية

 

 

مفهوم الودائع بغير القيمة الاسمية، والحاملة للعائد non-par-value, return-bearing deposits، قد تجسد في حسابات الصناديق التبادلية في السوق النقدية بالولايات المتحدة. وهذه الحسابات تقدم تسهيلات مٌقاصّة الشيكات وودائع تتقلب قيمتها بتقلب القيمة الضمنية للمحفظة المستثمرة في السندات الحكومية، وسندات الشركات، وأسهم رأس المال. إن خطر القيمة الاسمية المتغيرة لم يردع المودعين(53).
أهم ميزة لحسابات الصفقات على أساس الصندوق التبادلي هي قابليتها لتقديم عائد بدون خطر الإفلاس أو عدم السيولة. وبما أن الصندوق لا يلتزم بضمان أي قيمة اسمية للودائع، ويحظر أصولاً يتم التجارة بها على نطاق واسع، وقيمتها معروفة للجمهور، فليس هناك حافز "إفلاس" للمودعين للإقدام على التهافت (King and Goodhart, 1989, p. 6). ويتعزز الاستقرار باحتمال أن المودعين إذا قاموا بتحويلات كبيرة بين الصناديق، فهذا  ؟؟؟؟؟                بين مديري الصناديق، وتجنب ؟؟؟                  ؟                  إذا هجر المودعون حسابات الصناديق لصالح النقود، خوفًا من الخسائر الرأسمالية، فإن ما ينشأ عن هذا من هبوط في أسعار أصول الصندوق سيكون له أثر تثبيتي من مجموع عوائدها المحتملة. وهذه الخصائص للصناديق التبادلية تجعل وظائف التأمين على الودائع ومقرض الملاذ الأخير مهملة، وتؤدي إلى تجنب المآزق المتصلة بها(54). وهذا قد يكون نتيجة سوق عارٍ عن التعظيم تمامًا من حيث وسائل الصفقات، وربما يؤدي إلى تطوير بديل للعمل المصرفي القائم على الاحتياطي الجزئي، إذا كانت أسواق الأصول المالية عميقة بما يكفي، في ذلك الوقت (James, 1985, p. 79).

الحسابات الاستثمارية

 

إن المقترحات المقدمة للمصارف الخالية من الفائدة لإصدار ودائع مؤجلة من طراز حقوق الملكية Equity-Type Time Deposits، وللتركيز على المشاركة في الربح والأصول ذات الريع، هي محاولة لتقديم وسيلة للمدخرات المخاطرة الحاملة للعائد، بديلاً لحسابات الصناديق التبادلية (حيث أسواق حقوق الملكية هزيلة التطور)، أو مكملاً لها. وهناك حاجة أيضًا لمثل هذه المصارف لطرح صناديق مشاركة كثيفة المعلومات Informationally-Intensive PLS Funds، يطلبها المقترضون العاجزون من جهة أخرى عن جمع الأموال، من خلال طرح أسهم رأس المال. ويمكن أن يفضل المصرف تحمل مثل هذه المخاطر المتعلقة بالأصول، لعدم وجود التزامات ثابتة في جانب الخصوم. وعليه فإن مثل هذه المصارف يجب أن تكون أكثر شبهًا بشركات الوحدات الاستثمارية ذات رأس المال المخاطِر، لأنها غير معرضة لخطر الإفلاس.
إن الودائع الادخارية على أساس المشاركة تجعل المصرف الخالي من الفائدة أقل عرضة لعدم الاستقرار. فإن غياب المدخرات المضمونة القيمة الاسمية من شأنه استبعاد أي حافز للمودعين للتهافت خوفًا من الإفلاس (M.S. Khan, 1986, p. 19)، في حين أن التركيز على الأصول المشاركة في الربح يجب أن تستبعد الودائع المصرفية المتشابكة Interlocking Bank Deposits، وبهذا تقل إمكانية "العدوى" (Chapra, 1988, p. 19). ومع ذلك فإن المصرف المشاركة، خلافًا للصندوق التبادلي، لا يزال يواجه خطر التهافت من المودعين الذين يشتبهون في أن هناك مشكلات سيولة. ومثل هذا المصرف يحوز أصولاً غير قابلة للتسويق، ولها قيمة غير مؤكدة. فإذا ما واجهته طلبات سحب كثيرة، ربما وجد نفسه غير سائل وعاجزًا عن الدفع إلى الدائنين، إلى حين استحقاق أصوله، أو مجبرًا على بيع أصوله الاحتياطية بأسعار منخفضة. وعليه فإن المودعين قد يستمرون في محاولة السحب قبل أن يتكبد المصرف مثل هذه الخسائر، وتبقى إمكانية "نبوءة تحقيق الذات" (Self-fulfilling Prophecy). لذا فإن مصرف المشاركة، من أجل تخفيف خطر السيولة، سيستمر في حيازة احتياطيات كبيرة وأصول قابلة للتسويق (مثل أسهم رأس المال)، بالإضافة إلى فرض فترات إخطار دنيا لسحوبات الودائع المؤجلة. وقد يبقى المصرف المركزي محتاجًا إلى تنظيم صندوق قرض طوارئ خالٍ من الفائدة لمصارف المشاركة، أو تقديم تسهيلات مقرض الملاذ الأخير على أساس رأس المال لمنع عدم السيولة المصرفية (Chapra, 1985, p. 156; El-Ashker, 1987, pp. 221-2).
هناك منفعة أخرى تدّعى لودائع المشاركة، تأتي من تأثيرها على خيارات المحفظة للإدارات المصرفية. فالمصرف التقليدي (الذي تكون خصومه ذات قيمة ثابتة، وله تغطية تأمين على الودائع، ورأس مال أسهم ذات مسؤولية محدودة) سوف يعظم قيمة رأس المال، باختياره محفظة ذات مخاطرة – عائد أعلى مما لو كانت مسؤولية المساهم غير محدودة، أو كان المودعون مشاركين في الربح المتبقي (John et al., 1991)(56). ويزداد هذا الميل في المصارف التي تدخل الآن في "إدارة الخصوم"، وتجعل ربحها من الفرق بين المعدلات المختلفة للاقتراض والإقراض. وعليه يتحقق تعظيم الأرباح عندما توسع المحفظة إلى النقطة التي يتساوى عندها هامش معدل الفاتورة مع الخسائر المتوقعة من التخلف عن الدفع (Kaufman, 1977, p. 185; Wojnilower, 1980, p. 295). ويجب تخفيض حافز المصارف للإفراط في الاستثمار في مشروعات ذات مخاطرة عالية، من قبل مودعي المشاركة الذين يشتركون في أرباح المخاطرات الناجحة، في حين أن التركيز على أصول المشاركة في الربح، وغياب سوق القرض بين المصارف، سوف يجبران مصارف المشاركة على الدخول في "إدارة الأصول". وعندئذٍ فإن ربحها سوف يتوقف على نوعية أصولها، أكثر مما يتوقف على حجم محفظتها.
وأخيرًا تكون الودائع بغير القيمة الاسمية ضرورية إذا كان على النظام المصرفي غير القائم على الفائدة أن يساهم في زيادة الاستقرار في الاقتصاد الكلي(57). فخلال حركات الصعود في النشاط، تشترك مصارف المشاركة في أرباح الشركات المتزايدة، وبهذا تقل الأرباح المحتجزة المتاحة لزيادة الاستثمار الحقيقي، ويتم تمريرها إلى المودعين. وعلى العكس من ذلك، خلال حركات الهبوط في النشاط، فإن انخفاض ربحية الأصول الحقيقية يؤدي إلى هبوط القيمة الاسمية للخصوم النقدية في المنشآت. وما يحدث من انخفاض في المطالبات النقدية (من خلال انخفاض قيم الودائع المصرفية والأسهم) يحدث بصورة تلقائية، في حين أن الاقتصاد القائم على الفائدة يفرض إفلاسات مكلفة، وإخفاقات مصرفية أو تضخمًا للوصول إلى تسوية ملائمة للمطالبات النقدية بقيم الأصول الحقيقية (M.S. Khan, 1986, pp. 15-9).
وعليه يمكن أن نتوقع مساهمة ودائع المشاركة في متانة النظام المصرفي، وفي محافظ مصرفية أقل مخاطرة، وفي استقرار الاقتصاد الكلي، الأمر الذي يمكن السلطات النقدية من الاستغناء عن التأمين على الودائع، عندما تكون مكملة بـ 100% احتياطي، وحسابات صفقات صناديق تبادلية.

تقدير

 

هذه المقترحات تواجه عدة اعتراضات جدية. أولها أن فصل الصفقات عن العمل المصرفي القائم على الوساطة قد يؤدي إلى خسارة مزايا المراقبة التي يتمتع بها المصرف بوصفه مقرضًا من حسابات الصفقات المدارة (Fama, 1985). وهذا يستلزم أن يستمر المصرف غير القائم على الفائدة والقائم على احتياطي 100% في كلا النشاطين، ولكن مع المحافظة على الفصل الصارم للاحتياطيات ورأس المال، من أجل الحفاظ على الثقة في الأمن المطلق لحسابات الصفقات لديه.
وثانيها في حين أن الصندوق يستثمر في أصول سائلة ذات قيمة معلنة، دقيقة بدقيقة في الأسواق الثانوية، فإن العديد من أصول مصرف المشاركة قد تكون كثيفة المعلومات، وغير قابلة للتجارة، ومن ثم فهي غير شفافة. وهذه المشكلة تقلق كذلك المصرف التقليدي، لكن خصومه ذات القيمة الثابتة تخفض المغامرة الأخلاقية التي يواجهها المودعون (Diamond, 1984; Bernanke and Gertler, 1987, p. 91ff). ومع ذلك فإن تزايد إمكانية المصرف غير القائم على الفائدة في استغلال مودعيه يجب أن تحدّ منها السهولة النسبية لسحب الودائع، وتزايد رقابة المودعين، واحتمال تطوير سوق ثانوية للودائع المصرفية القائمة على المشاركة، والتنافس على المدخرات بين المصارف غير القائمة على الفائدة وعلى منافذ الادخار الأخرى(58).
وأخيرًا فإن استبعاد الودائع تحت الطلب الحاملة للفائدة سوف يؤدي إلى خسائر رفاه بالنسبة للمدخرين الكارهين للمخاطرة الراغبين في أصل رأسمالي آمن، وحامل للعائد، ويقدم تأمينًا من مخاطر عدم السيولة (Bhattacharya and Gale, 1987, p. 69). والنتائج المحتملة هي ارتفاع تكلفة الوساطة، وانخفاض المدخرات عبر الوساطة، وزيادة الاكتناز النقدي. هذه هي أهم تكاليف النظام المصرفي غير القائم على الفائدة. والتي لا يمكن تخفيفها جزئيًا إلا بطرح صناديق رأس مال تبادلية. ومع ذلك، فإن ذات الرغبة في تقديم رأس مال آمن، وحامل للعائد، وعقد وديعة سائلة، هي السبب الجذري لإفلاس المصرف، مع ما يصاحب ذلك من تكاليف الآثار الخارجية. فإذا أمكن عدم تمرير مثل هذه التكاليف إلى الآخرين، قد تكون المصارف قادرة على تقديم مثل هذه العقود (59).
وباستخدام عبارة نايت(Knight, 1921)، نجد أن النظام المصرفي القائم على الفائدة والاحتياطي الجزئي يعمل بافتراض أن بيئته هي بيئة مخاطرة، وأن السحوبات من الودائع ومعدلات التخلف عن الدفع يفترض أنها مستقلة وقابلة للتوقع (Minsky, 1976, pp. 128-9). ولسوء الحظ، فإن مثل هذه الحوادث تتميز بـ "عدم التأكد". مما يجعل المصرف التقليدي معرضًا بصورة متأصلة للفشل، بحكم هيكله ذاته. ولهذا فإن بقاء مثل هذه المصارف التقليدية يعود بشكل كبير إلى التنظيم الحكومي، ومساعدة (تسهيلات مقرض الملاذ الأخير) وتعهد (ضمانات التأمين على الودائع). فبدون هذا كله، قد يتعرض المصرف التقليدي لصعوبة في العمل (Hayek, 1976, p. 95; Qureshi, 1985, p. 8).
حتى الآن نجح تدخل الدولة إلى حد كبير في التوقي من الانهيارات المصرفية على مستوى النظام، على حساب إعانة المصارف على ركوب المخاطر، وتفضيل المصارف الكبيرة على الصغيرة، وتفضيل المصارف عمومًا على غيرها من منشآت الوساطة المالية، وتحميل تكاليف عالية لدافعي الضرائب من خلال المساعدات العاجلة والتأميمات المصرفية (مثل الولايات المتحدة، والسويد، والنرويج)، وإضافة الاقتصادات الرأسمالية إلى التحيز التضخمي، واستدامة نظام مصرفي من شأنه تكبير الدورة الاقتصادية. وبهذا فإن العمل المصرفي القائم على الفائدة قد عاش حتى الآن بإقناع السلطات النقدية بضمان العديد من الخصوم (المطاليب).
إن الخيارات أمام السلطات النقدية هي أما    ؟؟؟       .
؟؟؟   والمخاطرة بالدعم المكْلف أو انهيار المبنى في المستقبل، أو إعادة بناء الهيكل المالي على أسس أقوى، وجعل الدعم الخارجي غير ضروري. فإذا وضعت بعض الشروط المسبقة، فإن العمل المصرفي غير القائم على الفائدة لن يكون مجديًا فحسب، بل سيكون كذلك أكثر ثباتًا وأقل كلفة بالنسبة لباقي الاقتصاد.

المالية العامة والاقتراض الحكومي

 

تبين المالية العامة الإسلامية أنه بالنسبة للمشاريع الاستثمارية الحكومية التي لا تدرّ دخلاً، والنفقات الاستهلاكية، ليس هناك بدائل مرضية غير قائمة على الفائدة لتمويل الضرائب بالكامل، ومن ثم فإن العديد من الاقتصاديين المسلمين يدافعون عن أن الدولة الإسلامية تهدف إلى ميزانية متوازنة، أو فائض صغير، عبر الدورة، مع سندات مشاركة أو أسهم تروّج لتمويل الاستثمار بمشاريع حكومية تدرّ إيرادًا (Metwally, 1983, pp. 74-5; Siddiqi, 1983b, pp. 132-42). ويمكن الوصول إلى تغييرات مضادة للدورة في الوضع الضريبي، بتخفيض الفائض الحكومي التجميعي، أو الرصيد من الأصول الحقيقية والمالية.
لكن استبعاد الدين الحكومي الحامل للفائدة له مساوئ رفاه جدية، على الخصوص، إذا تم تمويل المشاريع الاستثمارية، التي تدر منافع غير نقدية في وقت متأخر في المستقبل (مثل شبكة طرق) من قبل دافعي الضرائب الحاليين، فهذا يبدو أنه غير عادل ولا كفؤ. لكن المزايا الاقتصادية والأخلاقية الطويلة الأجل يجب أن تفوق هذه التكاليف، وبالرغم من الجدل حول إمكانية تمويل العجز الحكومي بزيادة معدلات الفائدة الحقيقية، ومزاحمة الاستثمار الخاص(60)، فإن تراكم الدين العام الكبير والتزامات الفائدة يفرض تكاليف اقتصادية متنوعة(61). فالضرائب العالية اللازمة لتمويل ديون الماضي غالبًا ما زادت في الحوافز السلبية أمام العمل والادخار، وفي توسيع الاقتصاد "الأسود"، وتآكل شرعية الضرائب، وعدم مرونة السياسة الضريبية (Ratchford, 1942, p. 464)، وهروب رأس المال والعمل إلى الخارج (Ricardo, 1951, I, pp. 247-8).
فلا يجب على دافعي الضرائب أن يتحملوا تكاليف صنع سوق للدين الحكومي فحسب، بل يجب هذا أيضًا على أصحاب بيروقراطية الضرائب الذين يحولون الأموال من وإلى نفس المجموعة من المواطنين إلى حد كبير (Congdon, 1985).
وعلاوة على ذلك، فإن وجود دين حكومي يحمل فائدة له آثار أخرى غير مرغوبة. ذلك أن المديونية الحكومية الثقيلة أغرت السلطات النقدية بتخفيف ضغوط التضخم، من أجل تخفيف العبء الحقيقي لخدمة الدين (Ruebling, 1978). وبالمقابل فإن وجود سندات حكومية آمنة حاملة للعائد يشجع على وجود طبقة وعقلية ربويتين(Hume, 1970, pp. 94-6)، وكراهة المخاطرة في المنشآت المالية الوسيطة المجبرة على التزاحم على الأموال (Veseth, 1990, pp. 68, 74, 124-5)( ). كذلك فإن حرية الاقتراض سمحت للسلطة التنفيدية أن تكون أقل حماسة في تخفيض التكلفة مما هو لازم من جهة أخرى (Chapra, 1985, pp. 136-7).
ومع ذلك ربما يكون أهم أثر من آثار الاقتراض الحكومي هو أنه يسمح لدافعي الضرائب الحاليين بغرض أعباء لا مبرر لها على أجيال المستقبل، بتأجيل فرض الضرائب لتمويل النفقات الاستهلاكية(63). ومرة أخرى فإن وجود الفائدة يشجع الجيل الحاضر على استخدام موقعه الزمني، لتجنب جميع تكاليف تصرفاته(64). وربما يكون أكثر التوكيدات ترويعًا للراغبين في استبعاد قدرة الدولة على الاقتراض هو أن هناك حروبًا أقل كنتيجة (كذا). وإذا كان على الجمهور أن يتحمل الآثار الفورية للحرب، في صورة ضرائب أعلى، أو ضرائب رأسمالية، أو تضخم، فعندئذٍ قد تكون البلدان أقل رغبة في استثارة المجهود الحربي والاستمرار فيه (65).
ومن ثم فإنه بالرغم من خسائر الرفاه القصيرة الأجل التي قد تنشأ من تقييد تمويل العجر، يمكن الاحتجاج بأن الاقتصاد قد يستفيد في الأجل الطويل.

القرض العقاري والدين الاستهلاكي

 

ربما يكون أهم أثر واسع للنظام غير القائم على الفائدة هو استبعاد القرض العقاري الحامل للفائدة والدين الاستهلاكي. ومرة أخرى قد يكون لهذا تكاليف رفاه فورية. فالائتمان الاستهلاكي الحامل للفائدة قد يسهّل التجارات التي تزيد الرفاه بين الأزمان، بالسماح لأطراف النشاط بتحويل الاستهلاك إلى الفترات التي تكون فيها الاحتياجات الإنفاقية النسبية أكبر (Baltensperger, 1989, p. 984)، فهو يمكّن الأقل ثراء من الاستمتاع بمستوى معيشة أعلى، وهذا ما يحقق المساواة بمعنى من المعاني (Galbraith, 1975a, pp. 70-1; George, 1988, p. 11). فإن الحياة الحديثة هي أقل راحة بما لا يقاس، لولا الوصول السريع والسهل إلى القروض الشخصية.
وهذا يتجاهل التكاليف الاجتماعية والاقتصادية العالية الناشئة من الاعتماد كثيرًا على القروض الاستهلاكية القائمة على الفائدة، وإمكانية البدائل غير القائمة عليها. فبالرغم من الحجج الأبوية Paternalistic Arguments لتقييد الائتمان، إلا أن المستويات العالية من المديونية العائلية يمكن أن يثبت أنها خلافية اقتصاديًا، لأن الثري يستمتع بصورة أفضل بشروط الائتمان والوصول إليه، كما يمكن أن يثبت أنها مدمرة اجتماعيًا(66). وهناك أثار أخرى ضارة يمكن أن تشتمل على ميول ادخارية تجميعية كاسدة، وطلب على السلع الاستهلاكية المعمرة أكثر تقلبًا (Steindi, 1989). كذلك فإن المستويات العالية للموافقة العائلية تجلب اقتصادًا كليًا أكثر هشاشة، ومعرضًا لارتفاعات معدلات الفائدة الحقيقية(67). وتتضخم هذه الآثار بقطاع إسكان تابع لتمويل القروض العقارية الممنوحة لمشتريات المنازل. وقد سجلت التجربة الحديثة للملكة المتحدة وللولايات المتحدة تقلبًا في أسعار الأصول، كان لها أثر مزعزع للاستقرار على الاقتصاد الأوسع، وميلاً مرتفعًا في استرداد المبيعات Repossessions ومتأخرات القروض (Miles, 1992).
وبوضوح فإن الاعتماد على القروض العقارية الحاملة للفائدة والائتمان الاستهلاكي ليس بدون تكاليف. ومن ثم فإن هناك أسبابًا عملية للدفاع عن استبدالها (Siddiqi, 1983b, pp. 157-64). وبمجرد قبول مشروعية أعباء الريع، فإن الائتمان الحامل للفائدة، لشراء السلع المعمرة (ولاسيما المساكن)، يمكن أن يضاهي بألوان مختلفة من برنامج الشراء الاستئجاري(68). وهذه الألوان لها مزايا بعدم إلزام المقترض بالحصول على الملكية الكاملة للمنزل، ولكن تسمح بترتيبات إيجار جزئي وملكية جزئية Part-Rent Part-Ownership، ولا تُدخل أبدًا "المقترض" في الدين إلا إذا كان هناك تخلف في الدفع. وعلاوة على ذلك، فإن الكلفة المدفوعة لخدمات السكن يجب أن تصبح أكثر تعبيرًا عن شروط سوق السكن السائد (من خلال مستويات الإيجار) بدلاً من أن تمليها مباشرة حركات التقلب، المضادة غالبًا، في كلفة الاقتراض. وهناك بدائل أخرى للقروض العقارية التقليدية غير قائمة على الفائدة، تشتمل على كلفة الاقتراض، وهناك بدائل أخرى للقروض العقارية التقليدية غير قائمة على الفائدة، تشتمل على ترتيبات دقيقة قائمة على المشاركة في الربح والخسارة PLS Endowment Arrangements (حيث يتم تأجير المال، في حين يتم مراكمة دفعة واحدة في حساب مصرفي استثماري أو شركة وحدات استثمارية)، والقروض العقارية المرتبطة بالأجر (حيث يدفع المقترضون نسبة ثابتة من دخلهم قبل الضريبة Pre-Tax Income إلى الممول طيلة القرض)(69).
أخيرًا هناك صعوبة محتملة في النظام المصرفي غير القائم على الفائدة، وهي تقديم الائتمان اللازم للاستهلاك الفوري أو أغراض السيولة والبدائل المجدية فقط، بالإضافة إلى صناديق القروض الإحسانية أو المدارة من الدولة، هي ترتيبات الائتمان التبادلي غير القائم على الفائدة(70)، وتسهيلات السحب على المكشوف على أساس الأعداد (النمر، النقط).

 


 

8

حرمة الفائدة في الأدبيات الغربية

 

مدخل

 

المرابون لم يكونوا أبدًا شعبيين، بل هم مدانون لسخائهم في الأوقات الطيبة، وبخلهم وجشعهم في الأوقات السيئة. ويطرد المصرفيون ورجال الاقتصاد عن أنفسهم هذه المشاعر نتيجة للضرر الثقافي غير الرشيدPrejudict  Irrational Cultural. وبافتراض عرض ائتماني تنافسي، فإن أي اعتقاد بأن المقرضين يستغلون المقترضين منهم من المتصور أنه غير رشيد.
ومع ذلك فإن الاعتقاد الغربي بالنتائج الحميدة للعمليات المصرفية القائمة على الفائدة هو أمر جديد نسبيًا من الناحية التاريخية. وقد كان موقف البيوريتاني البريطاني، هنري سميث، أكثر نموذجية، عندما عبّر منذ أربعة قرون، عن حقيقة أن الإقراض بفائدة هو أمر استغلالي وسبب للمنازعات:
المرابي يحب المقترض، كما يحب اللبلاب البلوط: اللبلاب يحب البلوط لكي ينمو به، كذلك المرابي يحب المقترض لكي يزداد به ثراءً. واللبلاب يعانق البلوط كأنه عاشق، ولكنه يمتص كل العصير والنسغ، بحيث لا يستطيع البلوط بعد ذلك أن يزدهر: وهكذا فإن المرابي يقرض كأنه صديق، ولكنه يعاهد كأنه عدو، لأنه يعانق المقترض بمثل هذه الكلاميات، بحيث ينقص بعد ذلك دائمًا بنفس السرعة التي يزداد بها الآخر (Smith, 1591, p. 14).
والحقيقة أن هؤلاء المجادلين البيوريتانيين المعادين للربا صنعوا مشهدًا من الدرجة المفاجئة للإجماع على معارضة الديانة التوحيدية والفكر الكلاسيكي لحقيقة وجود الفائدة لإعادة تعزيز قضيتهم.
ولهذا فإن الإسلام لم يحتكر الدفاع عن حرمة الفائدة. وباعتراف الجميع، فإن الحجج الأخلاقية والدينية والعملية المتزايدة تقليديًا من قبل خصوم الفائدة ليس لها الآن إلا القليل من الموالين في الغرب، بسبب الطلاق بين الجدل الأخلاقي والتنظير الاقتصادي. ومع ذلك فقد كان هناك معنى اقتصادي في المعارضة التاريخية للفائدة أبعد بكثير مما يفترض وجوده اليوم. هذا الفصل سيعطي نظرة مختصرة حول تاريخ العداء للفائدة في الفكر الغربي، وتلخيصًا للحجج التي يرد بها خصومهم.

توضيح ضروري

 

المعنى الحديث لعبارة "الفائدة" و "الربا" يختلف عن استعمالها الأصلي. فالفائدة اليوم تعني الزيادة المشروعة على قرض نقدي، في حين أن الربا يعني الابتزاز من خلال معدلات فائدة تتجاوز حدود القانون أو العدالة.
المعنى الأصلي لكل من العبارتين كان مختلفًا إلى حد كبير. يشير "الربا" في البدء بدون ازدراء إلى العبء المفروض على استخدام أي شكل من أشكال الملكية، والذي طبق فقط على القرض النقدي، وعليه فإن الربا يعني ما تعنيه الفائدة اليوم.
و "الفائدة"Interest  مشتقة من عبارة لاتينية Interess يعني "الدخول بين". ومنذ القرن الثالث عشر في أوربا كانت تعني ما يدفع لقاء قرض نقدي لتعويض المقرض عن أي خسارة يتكبدها نتيجة الصفقة. فالفائدة كانت في الأصل أقرب إلى التعويض منها إلى العائد المالي. وازداد عدد المحاكمات instances التي اعتبرت فيها هذه المدفوعات قانونية ازداد بالتدريج، إلى أن صارت معظم أعباء القرض مشروعة تحت مسمى "التعويض". واختار المقرضون تعبير "الفائدة" الملطف، من أجل تجنيب معاني "الربا" غير المرغوبة.
وعليه فإن المعارضة التاريخية للربا كانت تهدف إلى ما نسميه اليوم بـ "الفائدة". وكانت حججها تهدف أساسًا إلى العبء المبذول من أجل قرض نقدي، لا إلى العائد على رأس المال المالي أو الحقيقي في ذاته (مثل أرباح المشاركة، والأرباح الموزعة، والإيجارات). ومن ثم يجب التمييز بينه وبين الهجوم الاشتراكي على كل أشكال الربح (باعتباره مستخرجًا لا مبرر له من فائض القيمة)، وبين مجرد الشعور العام ضد المصارف.

ملخص المعارضة الغربية للفائدة

 

في حين أن المدونات القانونية القديمة، مثل مدونة حمورابي  البابلية، تحتوي قيودًا على معدلات الفائدة القصوى القابلة لدفع الفوائد المركبة، فإن أول قانون في التحريم الصريح للفائدة وجد في سفر تثنية الاشتراع: "لا تقرض أخاك بربا، ربا فضة أو ربا طعام أو ربا شيء ما مما يقرض بربا. للأجنبي تقرض بربا، ولكن لأخيك لا تقرض بربا"(1).
وتعزز هذا التحريم في موضع آخر من العقد القديم بأوامر تقضي بعدم إقراض الفقير بفائدة، وبالتحذير من المرابي الظالم(2). لكن ليس هناك حكمة عقلية صريحة للتحريم واردة في النصوص نفسها. ومن ثم فإن التعاليم اليهودية الربانية فسرت التحريم إلى حد كبير بمعنى تشجيع الإحسان والشعور الجماعي، لا بالتصريح بأن الفائدة جائرة في حد ذاتها. وقد مالت المجتمعات اليهودية إلى مراعاة تحريم الفائدة فيما بينها، ولكنها حمّلت الفائدة على القروض الممنوحة لغير اليهود (وفقًا للتمييز بين الأخ والأجنبي في سفر التثنية).
وفي حين أن الإقراض الخالي من الفائدة للأسرة والأصدقاء كان مقدمًا في المجتمعات الإغريقية القديمة، فإن الفائدة كانت مشروعة إذا فرضت على قرض غير شخصي أو تجاري. وبعد شغب المدينين في أثينا عام 594 ق.م، قام سولون بتحسين مركزهم بإلغاء الديون وتحريم استرقاق المدين والفائدة المركبة. ومع ذلك لم تفرض أي قيود على معدلات الفائدة. فقط أفلاطون وأرسطو عبّرا عن معارضة صريحة لوجود الفائدة أصلاً في الفكر اليوناني.
على أن السلطات الرومانية المبكرة كانت أكثر تدخلاً بكثير، لأن المديونية المستمرة، والعقوبات القاسية على عدم السداد، أدّتا إلى ثورات دورية من جانب المدينين. وكان أقصى معدل للفائدة وضع 10% في عام 450 ق.م، وربما انخفض إلى الصفر في عام 342 ق.م. وسرعان ما أصبح هذا التحريم الصريح مهملاً في التطبيق، ولكن كان يتم إحياؤه دوريًا خلال أزمات الديون. وربما تبنى سولا Solla معدلاً عرفيًا 12%، وهو الحد الأقصى القانوني في 88 ق.م، الذي استمر حتى سقوط الامبراطورية الغربية.
إن العهد الجديد لم ترد فيه إلا إشارة عابرة إلى الفائدة. أكثرها صلة بالموضوع تعاليم المسيح لتلامذته حول الإقراض:
"إن أقرضتم الذين ترجون أن تستردوا منهم، فأي فضل لكم؟ فإن الخطاة أيضًا لكي يستردوا منهم المثل، بل أحبّوا أعداءكم، وأحسنوا وأقرضوا، وأنتم لا ترجون شيئًا "(3).
إن الأداء الاصطلاحي للجملة الأخيرة قد يكون بدون الأمل في أي عائد". وفي حين أن المسيح يدافع بوضوح عن مدخل ليبرالي راديكالي للإقراض، ليس واضحًا ما يجب منعه: الفائدة، أو الأصل، أو الأمل بمنافع متبادلة. ومع ذلك فإن هذا النص غالبًا ما كان يستخدم لتبرير تحريم الفائدة في الدوائر المسيحية. والإشارات الصريحة الوحيدة للفائدة في العهد الجديد تأتي في أمثال الموهوبين والأمناء العشرة(4). وهذه الإشارات تصف ضمناً الفائدة على أنها "كمن يحصد ما لم يزرع".
ويعطي الكتاب المقدس أسبابًا كافية لحرمة الفائدة في الكنيسة، حيث سنّ أول قانون لها في مجلس الفيرا Council of Elvira (306م). وأجمع آباء الكنيسة في تحريمهم للربا على أساس الجشع وعدم التسامح. وكان أوغسطين وحده أكثر مغامرة عندما صرح بأن الربا هو ضرب من السرقة، ومن ثم فهو غير أخلاقي في ذاته. وأول تحريم للفائدة على جميع المواطنين كان بتشريع كنسي عام 789 تحت حكم شارلمان.
وحتى حوالي عام 1050 تقريبًا كانت الكنيسة تعدّ أخذ الفائدة ضربًا من الجشع وعدم الإحسان. ومع ذلك فإن الصحوة التجارية في أواخر القرن الحادي عشر، وما نشأ عنها من زيادة في الطلب على القروض التجارية، أجبرت رجال القانون والدين في الكنيسة على إعادة النظر في تصنيف الربا على أنه ضرب من الظلم. وفي القرون التالية طور هؤلاء اللاهوتيون حججًا من القانون الطبيعي لإعادة تعزيز تلك الحجج من الكتاب المقدس والسلطة، لإثبات أن أخذ الفائدة أمر غير أخلاقي. وأخيرًا مرّ أقسى تشريع كنسي ضد الربا في مجلس فينّا (1317). فلم يدعُ هذا التشريع إلى طرد المرابين في الكنيسة فحسب، بل أيضًا طرد أي حاكم يجيز الربا. وللتصريح بأن أخذ الفائدة ليس إثمًا، فقد تم تصنيفه على أنه بدعة.
ثم جرى تخفيف قوة تحريم الكنيسة للفائدة في العصور الوسطى، بإعفاءات ملكية منحت إلى بعض الفئات (أبرزها اليهود والصيارفة)، لأغراض الاقتراض الحكومي والضرائب والتوسع التدريجي للأسس القانونية التي يمكن بها دفع "التعويض"، وتحويل التمويل التجاري إلى أشكال تعاقدية مشروعة (مثل قروض العملات الأجنبية على أساس المرابحة والأقساط السنوية الآمنة). غير أن التحريم كان له أثر، وربما يكون نافعًا، على أشكال الوساطة المالية في اقتصادات العصور الوسطى (Postan, 1928 ; Lane, 1966)، وأضفى الشرعية على الارتياب الشعبي في المرابين.
وفي أوربا الكاثوليكية، استمر تحريم الربا في قوته العملية حتى أواخر القرن الثامن عشر. (فقط الفاتيكان اعترف رسميًا بمشروعية الفائدة في عام 1917م(5)). لكن أوربا البروتستنتية ناقشت بحماسة مسألة الفائدة معظم القرن السادس عشر. وأخيرًا فإن موافقة كالفن   ؟؟؟   عن أن الربا لم يكن ظالمًا في ذاته إذا ما فرض على الثري بمعدل معتدل، أثبتت أنها تنازل حاسم. وفي انكترا صدر آخر قانون يدين كل الفائدة على أنها مخالفة لشريعة الله، عام 1571. غير أن العقوبات التي جرى تقنينها كانت أقسى بكثير في القروض التي تزيد فائدتها عن 10 %. وبهذا تحدد أقصى معدل للفائدة من الناحية الفعلية عند هذا المستوى. ومنذ 1600 وما بعد، تحول النقاش عما إذا كان يجب تحريم الفائدة كلها، إلى البحث عن أقصى معدل قانوني مناسب. أما بالنسبة للمعدلات الزراعية، فقد خفض البرلمان دوريًا المعدل الأقصى إلى 5 % في عام 1714.
وأخيرًا تحول الجدل إلى ما إذا كان المعدل الأقصى القانوني يمكن تبريره بإطلاق. فعلى سبيل المثال أيّد آدم سميث تقييد معدلات الفائدة فقط بما يتجاوز المعدل السوقي العادي، وإلا فإن أكبر جزء من النقود سيقرض إلى المبذرين وأصحاب المشاريع، الذين يرغبون هم وحدهم في إعطاء هذه الفائدة المرتفعة. أما الناس المعتدلون فلن يغامروا في هذه المنافسة (A. Smith, 1776, II, iv, 15).
والواقع أن سميث دعا إلى قانون في الربا لرفع كفاءة تخصيص الائتمان. وهذا المنطق رفضه جيرمي بنثام (Jeremy Bentham)، الذي رأى أن سقفًا لمعدلات الفائدة يعين المقترضين الأثرياء، ويرفع معدلات الفائدة في السوق السوداء، ويشكل تقييدًا للحرية الاقتصادية أبويًا paternalistic restriction.
لا أحد في الأعوام المواتية ومن أهل الرشاد الذين يتصرفون بحرية، وبعيون مفتوحة، يجب أن يحال بينه وبين عقد مثل هذه الصفقة، في طريق الحصول على النقود، حسبما يراه مناسبًا (Bentham, 1787, ch1, p. 129).
ربما انتصرت حجج بنتام. ففي بريطانيا ألغى قانون المرابين لعام 1854 الـ 5 % من قانون الربا، وسمح للمقرضين بفرض لحماية المقترضين الضعفاء. ومع ذلك فمنذ صدور قانون الائتمان الاستهلاكي (1974)، لم يعد يوجد مثل هذا التقييد، وصار على المقترضين بدلاً من ذلك عبء إثبات الاستغلال أمام المحاكم ، في ضوء ظروفهم الخاصة.

الأسس العامة للانتقاد

الفائدة والإحسان والانقسامات الاجتماعية

 

 

أكثر ما كان شائعًا في مهاجمة الفائدة هو أنها تفتح إمكانية استغلال المحتاجين. والحقيقة أن هذا يحدث، من جهة ما، تلقائيًا، لأن القرض بطبيعته بدون فائدة، وأن المقترض محتاج بالتعريف.
الإقراض بفائدة هو اليوم عمل يستحق اللوم، لأن الإنسان الذي يقترض لا يعيش على فيض من الموارد، لكنه محتاج بوضوح، وبما أنه ملزم بدفع الفائدة ورأس المال، فإنه يجب أن يكون بالضرورة في أقصى حال من الضيق (Philo, De specialibus legibus, 2. 74-7 ; cited in Maloney, 1971, p. 105).
عبر التاريخ، كان المرابون يدانون لأنهم يربحون كما يبدو من سوء حظ الآخرين. فقد اعتقد بلوتارك Plutarch  أن المرابين أكثر ظلمًا من الغزاة الأجانب (Moralia, 829)، في حين أن الكنيسة في العصور الوسطى وضعت المرابين في نفس الفئة الأخلاقية التي توجد فيها المؤسسات، لجشعهم الصريح وبعدهم عن الإحسان (Le Goff, 1979, p 35-6). وأودع دانتي (Dante) المرابين في الجحيم، في نهاية سابع دائرة منها، في وابل من نار (الكوميديا الإلهية، الجحيم، كانتو Divina Comedia, Inferno, Canto XVII)، في حين أن المرابين، من شايلوك Shylock إلى أرباغون Harpagon (في بخلاء موليير  Molière)، كانوا هدفًا لملهاة أدبية ساخرة لبخلهم البدائي.
مثل هذه الإدانة الكونية تنشأ من شيوع الاحتكارات المحلية في عرض الائتمان، وارتفاع علاوات المخاطرة المفروضة على القروض الصغيرة غير الآمنة، وإمكان الفائدة المركبة لجعل مصائد الدين لا يمكن اجتنابها. وعليه فقد انتشر "الاستغلال" على الرغم مما يبدو للمقرضين من حرية الاختيار في هذا الباب.
وهناك مسألة ذات صلة، وهي إمكانية الانقسام والظلم اللذين تولدهما الفائدة في المجتمع، لأنها تشجع على وجود طبقة مرابية وطبقة فقيرة من المدينين؟
فالسماح للقروض بأن تجتذب "دخلاً غير مكتسب" يرسّخ مظالم أولية في توزيع الثروة، وما ينشأ عن ذلك من انقسامات اجتماعية. فالفائدة تميل إلى إثراء الذين يملكون ثروة فائضة، وتأتي من الذين لا يملكون، في حين أن سوء توزيع الثروة الراهن يمكن أن يستبعد من عدم التأكد في الإنتاج والتجارة، بالاستثمار في الدين الحامل للفائدة، ولاسيما في السندات الحكومية الخالية من المخاطر. فعند الاقتراض، يحظى الأغنياء بشروط أفضل، بسبب وصولهم إلى الضمانات (Mishan, 1971, p. 205). ومن ثم فإن النقّاد نظروا إلى الربا على أنه مؤسسة مولدة للانشقاق الاجتماعي.
فمثلاً، نظر أفلاطون Plato إلى الربا على أنه غير ملائم لأكثر تنظيمات دولة المدنية مرغوبية. وبالرغم من أن أفلاطون أضاء الطبيعة غير الأخلاقية للفائدة المركبة (Laws, 842d)، ولاحظ أن النقد عقيم (Republic, 556a)، إلا أن معارضته كانت تقوم على ملاحظة أن الدين الحامل للفائدة يقسم المجتمع إلى معسكرين متناقضين. فمن جهة هناك غير المالكين، الذين يملكون النقود عادة ويتحمسون للثورة، ومن جهة أخرى هناك رجال الأعمال، الذين ينحنون عندما يمشون، ولا يجترئون فقط على النظر إلى الذين دمّروهم أصلاً، بل يدخلون رسنهم، أي نقودهم، في شخص آخر ... ويستردّون المبلغ الأصلي مضاعفًا عدة مرات كما يتضاعف النسل: وبهذا يجعلون منهم كسالى وعالة (Republic, 556a).
إن المرابين سرّعوا انحطاط دولة المدنية، بتقسيم المجتمع إلى مرابين وفقراء، في حين أن التشريع يجب أن يخفف النزاع بين الأغنياء والفقراء (Lowry, 1979). وعليه فإن أفلاطون ربما لا يلزم المدين بسداد القرض الحامل للفائدة، ولا بتقديم الحماية القانونية للمقرض في بيع آجل (Laws, 742c, 850). فلم تكن الفائدة جائزة إلا على أنها تعويض عن التأخر في سداد الدين (ibid, 921).

الفائدة والعلاقات

 

هناك مسألة ذات صلة وهي أن الإقراض بفائدة يتنكر للتضامن الاقتصادي، والعلاقة الحميمة بين المقترض والمقرض. وعلى المستوى الشخصي، تعطي أعباء الفائدة إشارة إلى المقترض بأن القرض إنما هو على أساس تجاري، لا على أساس تبادل المصالح. وعليه فإن القرض الخالي من الفائدة يقوم على أساس الأخوة الاقتصادية، ولاسيما في المجتمعات القبلية، وأصبح ذا تأثير في الفكر اليهودي المسيحي، من خلال تمييز سفر التثنية بين الأخ والأجنبي. وهذا ما دعا إلى الاعتقاد بأن أعباء الفائدة غير ملائمة بين أبناء الدين الواحد، وأن الربا يجب أخذه فقط من الأعداء(6). وهكذا فإن تعاليم المسيح حول "حب الأعداء" قد ألهمت المسيحي بجعل حرمة الفائدة أمرًا كونيًا.
وعلى مستوى أوسع، فإن الفائدة تؤدي إلى الاقتصاد في تحويل المعلومات اللازمة بين المقرض والمقترض، ولاسيما القروض الاستثمارية، أنها تؤدي إلى تحسين تطور المنشآت المالية الوسيطة وسوق القرض المغفلة، التي لا يحتاج فيها المقرض الأخير والمقترض أن يعرف أحدهما الآخر. وهذا ما يؤدي إلى توسيع عرض الأموال القابلة للقرض، وإلى تسهيل هجرة رأس المال المالي من بلدان الكساد، وتمويل المنشآت التي قد يعدّها المنصرون "غير أخلاقية"، وفصل فوائد المقرضين عن ظروف المقترضين.

الفائدة والعمل

 

هناك ملاحظة متكررة هي أن الفائدة كسب مالي بدون جهد. فالغالب أن المقرض لا يبذل أي تضحية، وأنه يواجه القليل من الخطر، ومع ذلك يسمح له بأن يستمد دخلاً من عمل الآخرين. ولقد دانت كنيسة العصر الوسيط المرابين وجعلتهم كسالى، في حين أن الاشتراكيين نظروا إلى الفائدة والريع الخالص على أنها ثمار مشتركة لاستغلال العمال. وحتى المدافعين عن الفائدة اعترفوا بقلقهم حيال دورها كدخل غير مكتسب(7)، وأنكر كالفن Calvin الإقراض بالربا ورآه كالاحتلال، في حين أن برودون Proudhon وكينز Keynes وهارود Harrod تطلعوا إلى قتل المرابي قتلاً رحيمًا.

الفائدة والخطر

 

بالنسبة للنقاد الذين قبلوا مشروعية الريع والربح، فإن الملمح غير المقبول للفائدة هو تخصيصها للخطر. فلو كان الربح مؤكدًا دائمًا لربما حُمد تبرير الفائدة بالإنتاجية. فالمقرضون يكادون يشاركون في الربح الذي قدمه رأس مالهم المالي حتمًا للمقترض. ومع ذلك من أجل الإيضاح نقول إن الربح نادرًا ما يكون "مؤكدًا"، ومن الوقاحة أو السذاجة الاعتقاد بخلاف ذلك(8). وعليه فإن التركيز اليهودي والمسيحي على المشاركة يأتي من الاعتراف بأن الربح ذو طبيعة غير مؤكدة. وإذا كان مقدمو التمويل يشاركون في العوائد، فمن الإنصاف كذلك أن يشتركوا في الأخطار. والحقيقة أن عائد رأس المال لا يكون مشروعًا إلا إذا كانت مسؤوليات الملكية والأخطار يتحملها مورّد رأس المال، كما في عقد المشاركة أو الإيجار. وتحويل هذه الأخطار في  عقد القرض يجعل الفائدة غير مشروعة.
هناك نتيجتان تتفرعان منطقيًا في هذا، الأولى أن الربح إذا كان غير مؤكد فإن الفائدة لا يمكن تبريرها على أساس كلفة الفرصة البديلة (Benvenisti, 1937, p. 30 n). وقاوم الاكويني Aquinas ولوثر Luther توسيع العنوان إلى "التعويض" من قرض في بدايته بملاحظة أن المقرضين إذا كان لديهم فرص استثمارية بديلة، فعندئذٍ قد يُستغلون، بدلاً من أن يتوقعوا من المقترض أن يقدم عائدًا مؤكدًا. وثانيًا لايمكن تبرير الفائدة بخطر الإقراض، لأن كلا الطرفين في العقد يواجه الأخطار. فلماذا يجب تعويض المقرض عن تحمل المخاطر، ولا يجب مثل ذلك للمقترض، لاسيما إذا كان القرض آمنًا و/أو قابلاً للاسترداد تحت الطلب؟

الفائدة والنقود

 

هوجمت الفائدة دائمًا عبر السنين لأنها تتعارض مع المقاصد الأصلية لمؤسسة النقد، التي يجب أن تعمل أساسًا على أنها وسيلة للتبادل، لا مصدرًا للكسب، أو مخزنًا للقيمة. والجدير بالذكر هنا أن أرسطو Aristotle نظر إلى الربا على أنه إساءة استعمال كبيرة للنقود، بمعاملتها كوسيلة ربح، بدلاً من كونها عاملاً مسهلاً للتبادل. ويرى أرسطو أن النقود في مبادلة السلع المنتجة هي مظهر مشروع من الإدارة المنزلية. فالنقود تستخدم لتسهيل المبادلات، هذا هو السبب الأساسي لوجودها (Nichomachean Ethics, 1133a). فالمشكلة عند أرسطو هي أن تراكم النقود من خلال عملية المبادلة    ؟؟؟   هدف النشاط الاقتصادي. وهذا ما يحدث في تجارة التجزئة عندما يكون الدافع إلى بيع السلع هو الرغبة في الربح، لكن سوء استعمال النقود يظهر أكثر ما يظهر في الإقراض بفائدة:
هناك نوعان من اكتساب الثروة ... أولهما هو جزء من الإدارة المنزلية، والآخر هو تجارة التجزئة: الأول ضورةي ومشرف، في حين أن الذي يقوم على التبادل مدان من ناحية العدالة؛ لأنه غير طبيعي، ولأن كل واحد فيه من الناس يكسب من الآخر. وأبغض الأنواع بحق هو الربا، الذي عني الكسب بالنقود ذاتها، لا من الشيء الطبيعي لها. فالنقود تقصد لاستخدامها في المبادلة، لا لزيادتها بالفائدة. وهذه الكلمة "الربا" وتعني ولادة النقود من النقود، مطبقة على توليد النقود، لأن النسل يشبه الأصل. ولهذا فمن جميع صيغ اكتساب الثروة، نجد أن هذه الصيغة هي الأكثر منافاة للطبيعة (Politics, 1258a; 1952, p. 452).
كثير من المناقشات اللاحقة لموقف أرسطو يستند إلى اعتقاد خاطئ بأن الفليسوف رأى أن النقود عقيمة، وبما أنها كذلك فلا يمكنها بالطبع أن تلد. فالفائدة تجعل النقود تلد، وهي لهذا تتنافى مع القوانين الجنسية للطبيعة (Böhm-Bawerk, 1959, I, p. 11)(9). وبالطبع فإن هذا المدخل، مدخل المعدن العقيم، يمكن بسذاجة أن يرفض، بالإشارة إلى أن النقود يمكن أن تكون منتجة ومثمرة في بعض الظروف.
لكن هذه محاكاة ساذجة لآراء أرسطو. فبدلاً من الادعاء بأن النقد عقيم، ومن ثم فإن الفائدة تتنافى مع القانون الطبيعي، وأنها غير أخلاقية، فإن حجة أرسطو هي أن النقد يمكن أن يكون مثمرًا، ولكن هذا يفسد المقصد الأصلي الذي من أجله أوجدت النقود، وهو أن تعمل وسيطًا للتبادل. وتأتي منافاة الطبيعة من استخدام النقود لغرض لم تقصد له. وفي حين أن أرسطو يلمّح بسهولة بأن ليس بالضرورة من الخطأ استخدام شيء (مثل الحذاء) لغرض آخر غير غرضه الأساسي (Politics, 1257a)، فهذا لأن الإقراض بفائدة يجب أن يكون بدافع الرغبة في الربح من مبادلة تجعله غير طبيعي، ومن ثم فهو غير أخلاقي (Cannan et al., 1922; Spiegel, 1983, p. 26)(10).
لكن أرسطو لم يكن وحده في رأيه في النقود. فالأكويني يعتقد أن الفائدة تقوض استقرار النقود بوصفها مقياسًا للقيمة، بإعطاء قيم مختلفة حسب الأزمان لكمية محددة من النقود، تؤدي إلى اختلاف المقياس. وأخيرًا فإن الراديكاليين النقديين (برودون، وجيزيل Gesell، ودوغلاس) قد عزا كل منهم وجود الفائدة إلى مُصْدري النقود أو مكتنزيها. وهؤلاء يجعلون وسيط التداول في حالة عرض ناقص اصطناعيًا، لابتزاز رسم احتكاري (فائدة) من عملية التبادل. وهذا ما يؤدي إلى عدم استقرار سرعة التداول، ومستوى الأسعار، والطلب التجميعي غير الملائم بصورة متكررة.

الفائدة والزمن

 

تنطوي الفائدة على أوضاع مختلفة غير مرغوبة حيال مرور الزمن. فيرى العديد من المدرسيين أن الربا عبارة عن بيع الزمن، ومن ثم فهو غير مشروع، إذ يجبر رأس المال على العمل في كل وقت، بغض النظر عن الأمر الإلهي بالراحة في أيام السبت أو الأحد. كذلك فإن النمو الأسّي للفائدة المركبة عبر الزمن قد تم النظر إليه شعبيًا على أنه غير طبيعي (تحريم الفائدة المركبة في مدونات القوانين البابلية والهندية والبيزنطية، بالرغم من قبولها بالفائدة البسيطة).
هناك نقد آخر للفائدة ذو علاقة بالزمن، يقوم على موقف افتراضي مسبق حيال الربحية المستقبلية والدخل الموجودين في قرارات الاقتراض التجاري والاستهلاكي. فالأرباح والقوة الشرائية متوقعان، ويجلبان بواسطة الدين الحامل للفائدة. ففي هذه العملية، يتعرض المقترضون لتغيرات غير متوقعة في الظروف، وتخصم فوائد الأجيال المستقبلية بالنسبة لنا نحن (أو تحسب القيمة الحالية) (بتحميل دافعي الضرائب في المستقبل بمدفوعات فوائد الدين الحكومي). وكان أصحاب الديانات التوحيدية أكثر ضررًا في قبول مثل هذه الالتزامات المالية، ودعوا إلى مزيد من الإدراك لمسؤوليات الخلافة بالنظر للأجيال المستقبلية.
وبشكل رئيسي، فإن مجمل الجدل في الربا يدور حول موقفنا من الزمن. فتبرير الفائدة يستلزم الادعاء بأن الزمن نقد، من الناحية الحرفية تمامًا. وبما أن مجرد مرور الزمن يغيّر افتراضًا قيمة الأصول، والنقود والرضا بصورة تلقائية، فإن غرامتها عبر الزمن (من خلال القرض) تبرر تلقائيًا الفائدة باعتبارها تعويضًا. لكن خصوم الفائدة قد يختلفون. فلا شيء مؤكدًا في الزمن، لذلك يجب علينا أن لا نتصرف وكأنه كذلك. فالمشاركة الاحتمالية في الربح، وعقود الإيجار، تسمح بالحصول على العوائد الإيجابية، وبالاستمتاع بخدمات السلع المعمرة، عبر الزمن ولكنهم لا يفترضون أن مجرد مرور الزمن يؤثر بالضرورة على أي شيء. ومن ثم فليس سائغًا تبرير الحسم الزمني (الحطيطة) من خلال التفضيل الزمني الموجب.

خلاصة

 

يظهر أن هناك قضية قوية قد أثيرت ضد وجود الفائدة، عبر القرون في الفكر الغربي، واتجهت إلى إلغائها. فعلى صعيد الكتاب المقدس كانت كراهية الربا أقوى مما هو واقع وشائع. فلا ينطبق التحريم على المعدلات الفاحشة فحسب، أو على الفائدة من الفقير، أو من أبناء الديانة الواحدة، أو على القروض الاستهلاكية، بل على الفائدة من الذين يعدّون "إخوة" أو "زملاء في الوطن"، فقد جعل المسيح تطبيق التحريم على أتباعه كونيًا.
وعلى الصعيد الأخلاقي، إذا قبل المرء أن استعمال الثروة، والحصول عليها، يجب أن يخضع لاختبار أخلاقي، فإن هناك عددًا من الأسس التي ينطلق منها الهجوم على الربا، فمثلاً إذا كان من الواجب استخدام الثروة أولاً لمساعدة الآخرين، فلا مجال لفرض الفائدة، لأن الفائدة يجب أن لا تؤخذ من الفقراء؛ وإذا أخذت من الأغنياء، فهذا يعني أن القرض الأصلي قد أسيء تخصيصه في المقام الأول. وبما أن الالتزامات القائمة على الفائدة ليست احتمالية تابعة لظروف المقترض، فقد تؤدي إلى سوء حال المقترض أو إفلاسه، وهذا ما يتعارض مع الاستخدام الأخلاقي للثروة. وغالبًا ما يكون المقرض النهائي غير واعٍ لهذه النتائج غير الأخلاقية ، لأن    ؟؟؟    قد منحت لتطوير سوق مالية مغفلة ووسيطة. فمن ناحية، لا يقدم المرابي شيئًا من الخدمة إلى المقترض، لأن الملكية تنتقل إلى المقترض في القرض. ومن ثم فإن الفائدة لا تكافئ شيئًا، بل تشكل استغلالاً محضًا لعمل المقترض. وعندئذٍ فإن عمليات الفائدة تؤدي إلى ترسيخ الفروق الأولية في الثروة.
وعلى الصعيد القانوني، يمكن تحدي وجود الفائدة بصورة مبررة، ففي عقد الإجارة أو الشركة، تبقى حقوق الملكلية والمخاطر والمسؤوليات عن الأصل المحوّل للمالك الأصلي، في حين أن هذه الأمور تتحول في القرض إلى المقترض، الذي يصبح ملتزمًا قانونًا بإعادة الأصل الأصلي، أو مثله، في الزمن المحدد. وعليه إذا تم التخلي عن الملكية من جانب المقرض، فلماذا يجب أن تكون الفائدة عائدًا لمالك غائب؟ فليس من المصادفة إذن أن الفائدة لم تكن متأصلة في عقود القرض في القانون الروماني، بل كان يجب التعاقد عليها بصورة منفصلة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، غالبًا ما تكون الدعوى ضد الفائدة مفروضة بالقوة. فإن وجود الأصول الحاملة للفائدة قد خفف عرض رأس المال المخاطر، وشجع عقلية المرابي. وسهلت الفائدة الطلاق بين عملية الادخار وعملية الاستثمار، ما خلق إمكانية توازن البطالة. فإن مدفوعات الفائدة غير الاحتمالية شجعت الاقتراض للمضاربة، وزادت من سعة الدورة الاقتصادية.
وفي حين أن تراكم الأدلة ضد الفائدة قد يبدو ملزمًا للبعض، لسوء الحظ فإن قضية المتابعة لها تيار رئيسي واحد. معظم حججها قائم على مقدمتين أوليتين: دينيتين، أو أخلاقيتين، أو قانونيتين، غير مقبولتين كونيًا. فإذا أمكن أن يكون الربا متساويًا مع عمل لا أخلاقي واضح، كالسرقة، فإن قضية التحريم قد تكون واضحة، ولكن ليست هذه هي الحال. ففي معظم الحالات، تبرم عقود القرض الحامل للفائدة اختياريًا. فلا يجبر المقترضون على تحمل مثل هذه الالتزامات، فهم غالبًا ما يستمتعون بمزايا المنافسة بين المقرضين، والحصول على منافع واضحة من القروض. فالمقترض والمقرض يتفقان ببساطة على مبادلة الأصل الآن مقابل التعهد بردّه بزيادة في المستقبل. والقيمة المتوقعة للخدمات المقدمة للمقترض يجب أن تكون مساوية للفائدة المدفوعة أو أكثر، وإلا فإن المبادلة لا تقع. وعليه فليس من الواضح تلقائيًا للمجتمعات غير الملتزمة بديانة توحيدية أن هناك شيئًا غير أخلاقي في الفائدة كافيًا لتسويغ تحريمها الصريح.
وهذا لا يعني أن ليست هناك عوائق عملية أمام الفائدة. لكن هذه العوائق يجب موازنتها بالمساوئ العملية من تحريم الفائدة. خصوصًا وأن حرمة الفائدة في مجتمع غير ملتزم بمبادئ دينية أو أخلاقية أساسية ضمنية سوف تؤدي إلى ازدهار سوق سوداء للقروض، مع علاوة خطر معدلة بصورة مناسبة، وإلى تكاثر الصيغ التعاقدية التي تخفي الفائدة تحت مسمى الربح أو الإيجار أو المنافع المنفصلة Unconnected Favours.
وعلى هذا فإن القضية، على الصعيد الأخلاقي والقانوني كما يظهر في الجدل الغربي حول الفائدة، تبدو أنها غير مثْبتة. ففي حين أن الأسباب مجتمعة يمكن أن تؤدي إلى ترشيد حرمة الفائدة في الكتاب المقدس، إلا أن قبولها يتوقف على الالتزام المسبق بمعايير دينية أو أخلاقية خاصة. بهذا المعنى فشل المدرسيون في بحثهم عن تقديم نقد للفائدة شامل ومقنع، على أساس القانون الطبيعي. فبدون الالتزامات الأخلاقية المسبقة، يصبح جدل الربا جدلاً عمليًا. ففي حين أن هناك عدة مساوئ عملية في سوق حرة للقروض الحاملة للفائدة، فإن هذه المساوئ الآن يفكر فيها في الاقتصادات غير الإسلامية على أنها أيضًا غامضة، وغير متبلورة، وغير منطقية، لترجح على المنافع العملية لمثل هذه السوق، الممزوجة بصعوبات الحفاظ على حرمة الفائدة. لقد تخلصت الاقتصادات الغربية من الافتراضات الدينية والأخلاقية المسبقة التي تؤدي إلى حرمة الربا. ومن ثم إذا كانت شرعية الفائدة يتم التساؤل عنها بجدية مرة ثانية، فإن الجدل يجب أن يركز على الجدوى والمنافع العملية للنظام المصرفي غير القائم على الفائدة، والذي تم عرضه في الفصول السابقة.

 


 

9

نتائـج

 

تطور التمويل غير القائم على الفائدة

 

بالنظر إلى طبيعة المفهوم من حيث الجدة والجذرية، تطور التمويل غير المبني على الفائدة علمًا وعملاً إلى حد بعيد وبصورة مدهشة. فالمصارف الخالية من الفائدة أثبتت أنها مؤسسات مستمرة، وتتمتع بنمو كبير في ودائعها. فباكستان وإيران تقيمان قطاعًا مصرفيًا غير قائم على الفائدة من الناحية الفنية. ونظريًا، يمكن لعقود المشاركة والإجارة، والصناديق التبادلية، أن تنهض بالعديد من وظائف التمويل القائم على الدين، ويقدم الاستخدام المطلق لتلك العقود العديد من المنافع الممكنة. من ذلك رفع كفاءة تخصيص الأموال القابلة للقرض؛ وقطاع مصرفي يمكنه باستمرار زيادة عرض رأس المال الإنتاجي في مقابل الاستهلاك والمضاربة؛ وقطاع مالي مستقر وثابت(1). لقد تطورت نظرية الخلو من الفائدة بما يكفي لمقاومة المزاعم التي تقول بأن استبعاد الفائدة قد يؤدي إلى إضعاف الميول الادخارية إلى حد كبير، وأن السياسة النقدية ستكون ضعيفة بدون معدل فائدة للتأثير، وأن مثل هذا الاعتقاد قد لا يعمل بسبب مشكلات المغامرة الأخلاقية.

الصعوبات المتبقية

 

مع ذلك تبقى هناك بعض النواقص العملية والنظرية (M.F. Khan, 1989 ; Kobham, 1992b). فالمصارف الإسلامية الحالية تستمر في التركيز على ائتمان بيع المرابحة، أكثر من التمويل الاستثماري القائم على المشاركة. ويمكن تفسير ذلك من خلال الملامح المختلفة للبيئة التي تعمل فيها هذه المصارف (المزايا الاصطناعية الممنوحة للمصارف التقليدية، استمرار وجود الدين الحكومي). ومع ذلك فإن المصارف الحالية غير القائمة على الفائدة لم تثبت بعد أن هذا المفهوم ذو إمكانية تنموية مهمة. وعلاوة على ذلك، فإن المتطرفين المسلمين قد أخفقوا عمومًا في توجيه المسائل العملية الصعبة لسداد الدين الحكومي الحالي؛ وأثر العمليات غير القائمة على الفائدة على تحديد معدل الصرف الأجنبي وتدفقات رأس المال الدولي؛ والتعريف المحاسبي الدقيق لـ "الربح" الذي يتم تقاسمه مع مقدّمي رأس المال.
أهم المسائل النظرية الجدية التي لا تزال تبحث عن جواب مرضٍ تخص الزيادات في جمع معلومات عن المودعين، وعوائق المنظمين الناشئة من عمليات المشاركة في الربح والخسارة؛ وإمكانية الأملاك التي تدرّ أجرة في الحلول محل ودائع المصارف التقليدية، مثل الأصول السائلة الحاملة للعائد؛ وإمكانية أن يتجنب المقترضون ذوو الجودة العالية التمويل القائم على المشاركة، وإنعاش التمويل بالدين إما في سوق سوداء محلية، أو من مصادر دولية. وهذا بالطبع بافتراض تحقق الشروط المسبقة اللازمة لنظام مصرفي غير قائم على الفائدة، ليكون حقيقة فعلية واقعة(2).

قضية الآثار الخارجية ضد الفائدة

 

تركزت المناقشة حتى الآن حول مزايا ومساوئ النظام المصرفي غير القائم على الفائدة، وجدواه النظرية. ومع ذلك، فإن تأسيس الجدوى والمنافع الممكنة ليس كافيًا لدعم الحجج المؤيدة لتحريم الفائدة. وكما ذكرنا آنفًا، لم يستطع نقاد الفائدة ابتكار حجة قانونية أو أخلاقية مقبولة كونيًا تثبت أن الربا ظلم في حد ذاته (كالسرقة مثلاً). وبالاعتماد على الحرية التعاقدية، سوف يدخل المقرضون والمقترضون بإرادتهم في عقود حاملة للفائدة، وسوف يبحثون عن فعل هذا، حتى لو كانت الفائدة محرمة. وبالرغم من الأولوية الاقتصادية الصريحة، فإن الذين يرغبون في التأكيد على أن الفائدة " يجب أن لا توجد" عليهم أن يقدموا دعوى خارجية قوية ضد الفائدة. وهي أن التعاقد القائم على الفائدة يجب أن يفرض تكاليف كافية على المجتمع الأوسع لتبرير إلغاء الحرية الاقتصادية للأفراد.
الدعوى الخارجية ضد الفائدة تقوم على تحويل الخطر إلى فريق ثالث يستلزم تحويل الدين الواسع الانتشار. لقد دخلت العقود الحاملة للفائدة من قبل المقترضين والمقرضين على أساس أن البيئة التي يعملون فيها تتسم بالأخطار ذات الاحتمالات القابلة للقياس الكمي. وعليه فإن الالتزامات غير الاحتمالية يتم تحملها مع أخطار متوقعة يتم التعرض لها، من خلال علاوة خطر على معدلات الفائدة، وضمانات، ورأس مال متبقٍ. ومع ذلك فإن الشروط الاقتصادية غالبًا ما تكون "غير مؤكدة" من حيث إن النتائج تهبط خارج تشكيلة التنوع المسموح على أساس التجربة التاريخية. ومن ثم فإن إفلاس الفرد أو الشركة أو المصرف عندما تكون التدفقات النقدية غير ملائمة للمصادقة على التزامات خدمة الدين.
مثل هذه النتائج تفرض آثارًا خارجية سلبية على عدة مستويات. أولها أن المسؤولية المحدودة، وحدود الإفلاس الشخصي، والتأمين على الودائع، تضمن كلها أن يفرض فشل المقترضين ذوي الرافعة تكاليف مباشرة على الدائنين ودافعي الضرائب. ويتم التخلي عن الواجبات القانونية لمواجهة جميع التزامات الدين، في ظروف صعبة يتحول فيها الدين إلى التزام احتمالي لاحق. وكنتيجة لهذا ينشأ عنصر علاوة الخطر في تكلفة رأس المال. وثانيها أن الفشل المفاجئ للمنشآت والمصارف، واضطرارها لبيع أصولها، يصادر التجربة الإدارية، والفرص الاستثمارية، ورأس مال المنشأة المحدد (White, 1989).
غير أن تكاليف الآثار الخارجية، للتوسع في استخدام التمويل بالدين، قد زاد الإحساس بها الآن وانتشر. وازدادت سعة الدورة الاقتصادية بتفاعل شروط الائتمان وقيم الأصول. وتستلزم أخطار الإفلاس التي تواجهها المصارف القائمة على الفائدة تستلزم تعهد سلطات جباية الضرائب وإصدار النقود، مع أعباء نظامية مصاحبة ترفع كلفة الوساطة المالية. وأخيرًا فإن رافعة المنشآت والأسر تقدم تحيزًا تضخميًا لخيار التضخم/ الناتج، بما أن الاقتصاد الإنتاجي يستفيد من الأجل القصير من تضخم غير متوقع (يساعد كذلك على الحفاظ على ملاءة المصرف)(3). كذلك الاعتماد الكبير على التمويل بالدين يستلزم من الدولة أن تقوم بعمل "مقرض الملاذ الأخير" خلال فترات التراجع بغرض المصادقة على التزامات القطاع الخاص في خدمة الدين (Minsky, 1992-3, p. 81). وعليه فإن التمويل القائم على الفائدة لا يستلزم فقط التكاليف المباشرة للدائنين غير المسددين من المقترضين المفلسين، بل يفرض أيضًا تكاليف أقل وضوحًا وأكثر إرهاقًا بكثير للاقتصاد الأوسع.

هيمنة التمويل بالدين على التمويل برأس المال

 

الآثار الخارجية الاقتصادية السالبة    ؟؟؟     تقليديًا بالأسعار النسبية التعديلية من خلال نظام الضرائب، بحيث إن الكلفة الحدية التي يواجهها الفرد تساوي الكلفة الحدية للمجتمع. مثل هذا الحل قد يبين أن التمويل بالدين بدلاً من تحريم الفائدة يجب أن يعاقب بالنسبة للتمويل برأس المال، عبر النظام الضريبي. ولهذا فمن السخرية نوعًا ما أن يتم تشجيع المديونية الشخصية ومديونية الشركات دون تمييز، من خلال معاملة الفائدة على أنها كلفة بدلاً من معاملتها على أنها عائد على رأس المال.
ومع ذلك، وبالرغم من الصعوبات العملية لتأسيس المستوى الذي يجب فيه أن يعاقب التمويل بالدين، وتطبيق هذا على نظام مالي غير منتظم، فإن تغير التكاليف النسبية للدين ورأس المال لن يأتي بكامل المزايا النظرية لنظام مالي غير قائم على الفائدة. فمثلاً سوف تواجه مصارف المشاركة صعوبات في المنافسة مع المصارف التقليدية، بسبب الاختيار المعاكس للمقترضين المحتملين. فإذا توافر البديل القائم على الفائدة، فإن طالبي تمويل المشاركة سيتجهون في اتجاه أصحاب المشاريع ذات المخاطرة المتطرفة، أو المشاريع ذات المنافع العالية غير النقدية المتوقعة بالنسبة للربح. وبالمقابل، فإن المصارف التقليدية سوف تستقبل طالبي التمويل الذين يعتقدون أن مشاريعهم عالية الجودة، والذين لا يرغبون لهذا في تخفيف الرقابة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تكاليف تقويم المشروعات والرقابة عليها سوف تكون بالنسبة لمصارف المشاركة أعلى من منافساتها، بسبب احتمالية عوائدها، وسوف ينعكس هذا في توقع ارتفاع تكلفة رأس المال من مصارف المشاركة. وحسب رأي وايتزمان في المشاركة وفي الأجور ذات المعدل العائم، ربما لا يستطيع النظامان أن يتعايش كل منهما مع الآخر بنجاح.
هذه النتيجة تطبق أيضًا على مستوى أوسع. فإن وجود الفائدة في ذاته على الأصول المالية، بغض النظر عن المعاملة الضريبية، سوف يترك مجالاً لمعدل الفائدة النقدي لكي يملي العوائد على الأصول الأخرى، ويفضي إلى توازن بطالة. وبالمثل، بالنظر لأهمية توقيت التدفق النقدي للمشروع، الناشئ من التزامات خدمة الدين، فإن المنشآت قد تستمر في تقويم مشاريعها بغير كفاءة، على أساس فترة الاسترداد (استرداد رأس المال)، بدلاً من إجمالي صافي القيمة الحالية(4). وسوف يستلزم وجود المصارف التقليدية الاستمرار في ضمانات الدولة، في حين أن استمرار التمويل بالدين سوف يحافظ على التحيز التضخمي في النظام.
ومن ثم فإن هناك عدة أسباب للتساؤل لماذا لا تستطيع مصارف المشاركة والمصارف التقليدية أن تتعايشا بسهولة، حتى لو عوقب التمويل بالدين من خلال النظام الضريبي. التحريم الصريح للفائدة(5)، بدلاً من الجزاءات الضريبية، هو الوسيلة الوحيدة للوصول إلى منافع النظام المصرفي غير القائم على الفائدة.
فالفائدة المركبة إثم مركب: يطلق الحرية، في عالم اقتصادي محدود، لنمو أسّي يسبب ظلمًا كبيرًا ويجعل الديون غير قابلة للسداد. لم يكن هذا مجرد ديانة مجردة، بل آلاف السنين من التجربة الكئيبة لتركز الثروة في القليل من الأيدي، ومن استرقاق الدين، مما تحدثت عنه جميع كتب الحكمة القديمة: الكتاب المقدس، والقرآن، وفلاسفة اليونان.              ؟؟؟    في عالم لا ينمو فيه الناتج الفردي ولا الناتج الحقيقي الكلي، والنقود معدنية، ولا يمكن أن تنمو باستمرار، فإن فرض أي معدل فائدة موجب سرعان ما يؤدي إلى الإفراط في تركيز الثروة في أيدي القليل من المرابين، و إلى الانهيار الاقتصادي (Hoston, 1991, p. XVII).

مدارس الفكر

 

في تاريخ الفكر الاقتصادي المعني بالفائدة والمرابي، تبرز مواقف متميزة نسبيًا. ففي إحدى نهايات الطيف، هناك اعتقاد بأن شروط عقود القرض يجب ألا تقيّد بالتشريع، لأن الأفراد من أطراف النشاط هم أفضل القضاة لمصالحهم. فإذا قيدت معدلات الفائدة، فإن معادلات تعزيز الرفاه ستمنع، وسوقًا غير منظمة للمعدلات الربوية تصبح محتملة. وقد كان إسهام بنتام (Bentham, 1787) أول تعبير مبكر عن هذا الاعتقاد، ولكن منذ ذلك الوقت أصبح هو الأمر السائد.
وتاريخيًا، كان أكثر الآراء انتشارًا هو أن أسواق الائتمان المحلية كانت تنافسية بشكل غير كافٍ، أو أن المقترضين كانت معلوماتهم غير كافية، وكذلك ضبطهم لأنفسهم، بحيث استفاد المجتمع من فرض رقابة على معدلات الفائدة. وهذه الرغبة في الحد من استغلال المقترض وجهت الهيئات التشريعية في العديد من المدنيات القديمة، وكانت من أول اهتمامات الكنيسة في وقت مبكر، وسادت في أوربا بعد الإصلاح البروتستنتي، ولا تزال حية في دعم "قوانين الربا" لوضع سقف لأعباء الائتمان الاستهلاكي في العديد من المجتمعات.
وكان أهم موقف راديكالي مناهض للفائدة هو الموقف الذي يعزو وجودها إلى شكل من أشكال الاستغلال أو سوء توزيع الثروة. وبوضوح، فإن التصنيف الاشتراكي للفائدة، مع الريع، والربح، باعتبارها جميعًا فائض قيمة مغتصبًا من العمل، يدين الفائدة بالتداعي. وفي هذه الفئة قد يستطيع المرء أن يضع برودون، وجيزيل، ودوغلاس، لأنهم عزوا وجود الفائدة إلى القصور المصطنع لرأس المال، وهو ما ينتجه نظام نقدي معيب.
وبين المواقف الأخيرة يكمن موقف المدرسيين في أوائل العصور الوسطى (الذي استعاده البيوريتانيون البريطانيون والراديكاليون الكاثوليك بين الحزبين)، وأكثر تيارات الفكر الإسلامي صرامة. وتعتقد كلتا المدرستين أن القرض بفائدة محرم بنص الكتاب المقدس، وهو صيغة تعاقدية غير مشروعة، ويستغل المقترض الفقير، ويفسد وظيفة النقود، وهو طريقة جائرة في تمويل المشاريع التجارية. والبدائل المقترحة هي القروض الإحسانية الخالية من الفائدة، أو الصيغ القائمة على المشاركة في الربح، والإجارة التي تعدّ جائزة(6).

هل يجب أن توجد الفائدة؟

 

أي من هذه المدارس الفكرية هي الصحيحة؟ بالتأكيد فإن الأخيرة لها ملامح عديدة غير واضحة؛ فهي تعترف بمشروعية استخلاص عائد (ولو أنه ذو صلة بالمخاطرة) من المال المملوك أو رأس المال المالي، الذي هو حتى الآن لا يزال خاضعًا لعائد في صورة فائدة مستخلصة من القرض. وتقبل عمومًا أن يحدد السوق التنافسي الأرباح والأسعار، ولا تزال تحتفظ بأن سوق القروض يجب ألا يسمح لها بتوليد ثمن محدد تنافسيًا. ومثل هذا الموقف غير ملائم بالمرة، من حيث إن الترتيبات المالية النافعة (مثل الائتمان التجاري القصير الأجل، والسحوبات على المكشوف) أصبحت صعبة التقديم على أساس تجاري. ومن المفهوم أن الحكمة التقليدية ترفض الفكرة القائلة بأن النظام المالي غير القائم على الفائدة على أنه غير قابل للدفاع عنه وغير عملي.
ومن وجهة نظر معاصرة، يمكن للمرء أن يفهم لماذا بحث اللاهوتيون والأخلاقيون والفلاسفة عن تحريم الربا. ففي ظروف كانت فيها معظم الديون تعقد للاحتياجات الاستهلاكية الطارئة، وكان فيها النمو الاقتصادي منخفضًا ومترنحًا، وكان عرض القروض غير تنافسي ومفرطًا في طلب الضمانات، يستطيع المرء بسهولة أن يرى الانقسام الاجتماعي والاستغلال والخراب الاقتصادي الذي عبرت عنه بوضوح سوق القرض الحرة. ومع ذلك حيث لا تسود هذه الشروط، لا يظهر للمراقب المعاصر أن الحرية الاقتصادية للتعاقد بين الأفراد يجب دائمًا تقييدها في هذا الباب. ويستلزم قبول المحاكمات العقلية للاهوتيين والفلاسفة يستلزم تبني افتراضات أخلاقية مسبقة مخالفة للمجتمع الغربي المعاصر.
وحتى الآن، وكما حاول هذا الكتاب بيانه، فإن تشكيلة متنوعة مدهشة من الملامح غير المرغوبة لاقتصادات السوق يمكن أن تُعْزى لوجود الفائدة، في مقابل اقتصاد المشاركة غير القائم على الفائدة. وهذا يفهم من خلال مشكلات الدين في البلدان النامية، إلى الظلم في توزيع الموارد بين الأجيال وفي الأعباء الضريبية؛ من المضاربة المزعزعة للاستقرار إلى التحيز التضخمي في الاقتصادات المدنية؛ ومن النظم المصرفية الهزيلة إلى سوء تخصيص الأموال القابلة للقرض. هذه هي جميع النتائج المدمرة التي تنطلق من وجود الفائدة، ولكن لا يمكن أن تُعْزى إليها بصورة جلية لا لبس فيها. ومن ثم فإن هذه المشكلات لكل منها مسكّناته المقترحة، ولكن القليل من أطباء الاقتصاد يرون ما هو أبعد من العَرَض في كل مرَض.
إن الدعوى ضد الفائدة في اقتصاد فيه عرض تنافسي للقروض تنعكس إذن على التكاليف المفروضة على مجتمع أوسع، من خلال التعاقد غير القائم على الفائدة، بدلاً من انتقاد الاستغلال الواضح للمقترض(7). وبالرغم من صعوبة القياس الكمي، فإن هذه التكاليف عالية، ليس فقط في التكاليف المباشرة لخسائر الدائنين في الإفلاسات، بل أساسًا في عدم الاستقرار الكبير الذي يُعْزى إلى الاقتصاد الحقيقي والنظام المالي، والتضخم غير المتوقع المطلوب كمسكّن. وعلى الرغم من أن هذه الأضرار ستخف إذا ما انعكس التحيز الذي هو لصالح التمويل بالدين، من الصعب أن نرى كيف يستطيع نظام مصرفي غير قائم على الفائدة أن يبقى حيًا، مع استمرار بقاء المصارف التقليدية. إنه لحصر جميع المنافع النظرية للنظام المالي غير القائم على الفائدة، هناك حاجة إلى اتخاذ إجراء تشريعي ضد فرض الفائدة.
هذا ليس من أجل القول بأن الفائدة يجب تحريمها الآن في المجتمعات الغربية. فإن الانتصار للنظام المالي غير القائم على الفائدة يستلزم مزيدًا من الإثبات. فهناك فجوات نظرية ينبغي سدّها. والتجارب العملية لم تعش طويلاً بما يكفي، ولم تكن ذات تشكيلة عريضة وناجحة لبيان أي شيء أكثر من قابلية تطبيق بعض جوانب العمل المصرفي الإسلامي. فالنظام المالي العالمي هو الآن من المرونة بحيث إن قيودًا في بلد واحد يمكن التحايل عليها بسهولة. والعديد من المنافع المبحوث عنها يمكن الوصول إليها بواسطة العقوبات الضريبية ضد التمويل بالدين. ومع أن هناك أسبابًا كافية للرغبة بعد ذلك في أن تحريم الربا لو لم يتقوض في أوربا في القرن السادس عشر. فإن الحكمة العملية تجسّد في الموقف الأخلاقي من الربا أكثر مما كان واقعًا عندئذٍ.

 


الهوامش

 

 

هوامش الفصل الأول: الاقتصاد والمصارف في الإسلام- نظرة عامة
(1)    منظومة الشريعة الإسلامية تتضمن القرآن، والسنة العملية، والحديث، وإجماع العلماء والفقهاء، وأحيانًا القياس المستمد من هذه المصادر.


(2)    هذه المقاربة تدور على اعتقادين يتعلقان بالقرآن، الأول أنه المعرفة المطلقة الموحى بها إلى البشر، وإذا ما طبق على الهياكل الاقتصادية وجبت الموازنة بين العدالة والكفاءة، حتى يتولد تلقائيًا أقصى سعادة اجتماعية (Choudhury, 1989, p. 36 )، والثاني أنه قابل للتطبيق على جميع المجتمعات وجميع الأزمنة (Ariff, 1982a, p. 2).


(3)    مثلاً، يقيم بعض الاقتصاديين المسلمين نماذجهم المتعلقة بسلوك المستهلك، ودالة الرفاه الاجتماعي، على التفضيلات المفترضة لدى الإنسان المسلم. وخلافًا للإنسان الاقتصادي، النفعي الذي لا يشبع، لدى الفكر الغربي، فإن الإنسان المسلم تحركه دوافع القيم الأخلاقية المطلقة، لا الكسب المادي السريع، ويلتزم طواعية بتعاليم الشريعة، مجتنبًا القمار والاستهلاك التبذيري، ومجتهدًا في عمله، وباذلاً الصدقات، وشريفًا في تجارته (Choudhury, 1986).


(4)    يميل الاقتصاديون المسلمون إلى الدفاع عن نظام للتوزيع لا تتساوى فيه الدخول والثروات، ولكن لا يستحب فيه بالمقابل التفاوت الكبير بين الدخول، ويصعب فيه الاحتفاظ بثروات كبيرة. ويتم التوصل إليه بالمزج بين زكاة الأموال والتقسيم الإلزامي للأموال بين أفراد الأسرة (Wilson, 1983b, pp. 121-3) وتحريم الفائدة.

(5)    تميز الشريعة تمييزًا صارمًا بين العقود التي تبحث عن المخاطرة وتستثمرها، والعقود التي تبحث عن المشاركة في المخاطرة القائمة ( التأمين التبادلي ) (Wilson,1985, pp. 53-4)، والعقود الأخيرة مشروعة، ويعتقد أنها نافعة اجتماعيًا (Choudhury, 1983).

هوامش الفصل الثاني: الانتقاد الإسلامي للفائدة
(1)    ربما نشأت معارضة محمد صلى الله عليه وسلم للفائدة من ألفته لمعارضة الربا في العهد القديم (Schacht, 1964, p. 13; Anin, 1986, p. 25)، ولا نص يبين حكمة التحريم.

(2)    نصوص القرآن مأخوذة من شابرا (Chapra, 1985, pp. 235-6).

(3)    تجد مناقشات مفصلة في تفسير النصوص في (Homoud, 1985; Saleh, 1986; and Mallat, 1988).


(4)    انظر على الخصوص (Udovitch, 1970, p. 86; Mannan, 1970, p. 160ff; Chapra, 1985, p. 62; and Baeck, 1991, p. 6).


(5)    مثلاً يعمل النظام المصرفي في المملكة العربية السعودية على أساس فرض رسوم خدمة، بمبلغ مقطوع أو نسبة مئوية (R. Wilson, 1983b, p. 125; P. Wilson, 1991).


(6)    الربا يعني عمومًا زيادة لا مبرر لها، وفي سياق القرض النقدي يعني الربا ( زيادة نقدية بدون مقابل، ومشروطة لأحد طرفي العقد، في مبادلة بين قيمتين نقديتين) (Schacht, 1964, p. 145; cf Rodinson, 1978, p. 18).


(7)    (S. M. Ahmed, 1969, p. 189). هناك مناقشة وافية للتمييز بين الفائدة والإجارة في يودوفيتش Udovitch, 1970, p. 107ff))، وصالح (Saleh, 1986, pp. 35-47).


(8)    القرض التجاري بفائدة هو من حيث الجوهر : ( أنا أربح الرؤوس، وأنت تخسر الأذناب ) (Qureshi, 1946, p. 204).


(9)    الانتقادات المفصلة للاقتصاد القائم على الفائدة سنذكرها بعد المقارنة بين خصائص النظام المالي الإسلامي والتقليدي في الفصول الأخيرة. انظر أيضًا الفصل الثامن.


(10)    (M. Ahmed, 1967) ينقل أحمد شواهد من: سميث، وريكاردو، وساي، وبوم باورك، وفيشر. ويبين ما إذا كان التباس الفائدة بالربح والريع حيلة مقصودة لتبرير الفائدة "الجائرة"، بالتداعي مع الربح "المشروع" والأجرة (pp. 177-8).


(11)    انظر (Uzair, 1978, p. 5)، و (Ariff, 1982b, p. 29)، و (Zaidi, 1986, p. 38) ، و (Presley and Sessions, 1994, p. 586).


(12)    الموقف الإسلامي يوازي موقف نايت (1921) وشومبيتر (1934) اللذين يعزوان وجود الربح إلى ممارسة المسؤولية الإدارية والتعرض للمخاطرة في شروط تجارية غير مؤكدة (S. R. Khan, 1978, pp. 95-8).


(13)    نظرية الفائدة كانت لمدة طويلة نقطة ضعف في علم الاقتصاد، ولا يزال تفسير معدل الفائدة وتحديده يثيران الكثير من الخلاف بين رجال الاقتصاد، أكثر من أي فرع آخر من فروع النظرية العامة (Haberler, 1937, p. 195).


(14)    انظر (Qureshi, 1946, p. 19-20)، (Ariff, 1982, p. 294)، (Anwar, 1978b, pp. 74-5) وانظر (Kierstead, 1959, pp. 12-13).

(15)    بإدخال الطلب المضاربي على النقود في الطلب على دالة النقود، يكرر المؤلفون المسلمون ما زعمه دينيس روبرتسون من أن كينز ؟؟؟؟. وهذا ما يجعل عنصر "تفضيل السيولة" أثرًا للفائدة، لا سببًا لها (Siddiqi, 1982, p. 26).

(16)    Uzair, 1980, p. 41; Presley, 1988, p. 68; cf. Somerville, 1932, p. 321

هوامش الفصل الثالث: النظام المصرفي غير القائم على الفائدة
(1)    انظر:  Siddiqi (1985), Saleh (1986) and El-Ashker (1987, ch. 5)، من أجل مناقشة مفصلة لصيغ التعاقد الشرعية في الإسلام.

(2)  يؤكد الفقهاء المسلمون على اقتسام صافي المحصول، وليس الإجمالي، لكي لا يتعرض أصحاب الأراضي لخطر الخسارة (S. R. Khan, 1987, p. 123). ويبينحقHaque أن أصحاب الأراضي الغائبين إذا جاز لهم الحصول على إيجار ثابت، فإن الأرض قد تحل محل القرض بفائدة، بوصفه أصلاً سائلاً آمنًا ذا عائد، في الاقتصاد الإسلامي (1980b, pp. 14-18).


(3)    على الرغم من أن المفهوم الأساسي للعمل المصرفي الخالي من الفائدة والقائم على المشاركة قد اقتُرح في الأربعينيات، إلا أن النموذج النظري الذي يشار إليه غالبًا هو نموذج صديقي 1983، وأصله في عام 1969 (1983b; originally 1969).


(4)    مثلاً الحفاظ على رصيد متوسط قدره 1000 جنيه استرليني بدون فائدة لمدة سنتين، يخوّل المودع بسحب على المكشوف قدره 2000 جنيه لمدة سنة واحدة (El-Ashker, 1987, p. 93).


(5)    انظر على الخصوص (Qureshi, 1946, p. 214; Siddiqi, 1983a, pp. 76-7 and PAID, 1989).

(6)    (Uzair, 1982, pp. 225-6; Karsten, 1982, p. 127 and Kazi, 1984, p. 15).

(7)    تشكيلة الخيارات السياسية مفصلة عند صديقي (Siddiqi, 1983, pp. 100-2)، ومجلس الفكر الإسلامي الباكستاني (CII, 1983)، (Chapra, 1985, pp. 202-5)، (Khan and Mirakhor, 1987c). وتتوقف فعاليتها على مراقبة الاقتراض الحكومي.

(8)    طيلة هذا الفصل، اعتمدنا على التقسيم التقليدي بين الدين ورأس المال، للإشارة إلى التقسيم الإسلامي بين عقود الفائدة وعقود المشاركة.

(9)    في حين أن الأصل يمكنه قياس الأداء لاحقًا، إلا أن النتائج غالبًا ما تكون غامضة، لأنها تتوقف على عوامل تقع تحت رقابة الوكيل (مثل الجهد) والآثار العشوائية الخارجية (مثل الشروط الاقتصادية الكلية). وعليه فإن النتيجة الهزيلة قد تكون نتيجة خطأ الوكيل أو ظروف خارجية (Harris and Raviv, 1979; Barnea et al., 1985, p. 29).

(10)    هذه الاعتبارات تنطبق فقط على مستخدِمي رأس المال الذين يستفيدون من تعظيم الأرباح المصرح بها (مثل المالك-المزرع، والمنظم أو المدير بالنسبة للأجر المتصل بالربح.

(11)    يمكن المساواة بين الدين والإيجار في حالة الأرض الزراعية، في حين أن المشاركة أو رأس المال تنعكس صورتهما في مرآة المزارعة. وغالبًا ما يفترض أن الأخيرة غير كافية، لأن المستأجر لن يعمل بجدية:
في المزارعة (...) يساوي المستأجرون بين ضررهم الحدي من الجهد وحصتهم من الناتج الحدي، بدلاً من ناتجهم الحدي الكلي. لهذا فإن قليلاً جدًا من الجهد سيكون متوقعًا من جانب الوكلاء (Stiglitz and Weiss, 1981, p. 407).
وعلى الرغم من وجود أسواق العقود المستقبلية، والضرر اللاحق بحوافز العمل، لا تزال المزارعة حسية، لأنها تساهم في المخاطرة الحساسة لفشل المحصول بين المالك والمستأجر (Stiglitz, 1974; Hirshleifer and Subrahmanayan, 1993).

(12)    رأس المال ناعم والدين صلب، رأس المال متسامح والدين ملحّ، رأس المال وسادة والدين سيف (G. B. Stewart and D. M. Glassman, quotded by Jensen, 1989, p. 67).

(13)    ليس من المصادفة أن تفعل النماذج النظرية، التي تجد أن الدين هو العقد المالي الأمثل، هكذا بافتراض حياد الخطر الكوني (Diamond, 1984). ما دام مستخدِم رأس المال يفترض أنه كاره للمخاطرة، فالنتيجة ستكون إما غير محددة (Gale and Hellwig, 1985) أو أنها حيث يكون للعقد الأمثل عائد ذو صلة بالربح (Terlizzesse, 1989).

(14)    في مصرف حيادي المخاطرة ومقترض كاره للمخاطرة، فإن العقد الذي يربط عائد المصرف بنتيجة المشروع، وهذا يعني المشاركة في المخاطرة، سوف يسيطر دائمًا على عقد الدين التقليدي، إذا كانت نتيجة المشروع المعلنة هي نفسها (W. M. Khan, 1985, ch. 3).

(15)    (Siddiqi, 1983c, p. 181)؛ (Stiglitz, 1988, pp. 314-5). والمنشآت ذات الدين القليل، تكون فيها نسب رأس المال في العادة نسب المستويات العالية في تقلبات الربح، ومعدلات الفشل الصناعي، والتكاليف المستغرقة الكبيرة (Castanias, 1983; Bradley et al., 1984). والمنشآت التي تعتمد على رأس المال فقط تميل إلى أن تكون صغيرة، ويحاول مديروها تخفيض المخاطرة المرتبطة بالاستثمارات الكبيرة غير القابلة للتنوع في الثروة الشخصية (Agrawal and Nagarajan, 1990). أما المنشآت ذات الرافعة فإنها تظهر تقلبًا أكبر في التشغيل والاستثمار وبناء المخزون (Cantor, 1990).

(16)    الحافز على المخاطرة المفرطة ينشأ من المسؤولية المحدودة للمساهمين. وهذا ما يسمح لهم فعلاً بالمقامرة بأموال الدائنين، والاستحواذ على الأرباح، في مقابل دفع نسبة بسيطة فقط من هذه الأرباح (Orhnial, 1982, pp. 182-3).

(17)    (Kim and Maksinovic, 1990) اكتشف هذان الباحثان أن الزيادات في مستوى التمويل بالدين، بالنسبة لقطاع النقل الجوي للركاب (1970-1981)، كانت مرتبطة بزيادات جوهرية في التكاليف المتغيرة والطاقة الفائضة. كذلك فإن زيادة نسبة الإفلاس في رافعة الشركات تؤدي إلى عدم كفاءة إعادة تخصيص ملكية الأصول، من خلال المبيعات الاضطرارية (Shleifer and Vishny, 1992) ونقص الاستثمار في رأس مال بشري محدد في المنشأة.

(18)    المنشآت ذات الأرباح العالية سيكون لديها حافز للتخلي عن الوساطة في نظام مالي غير قائم على الفائدة، بطرحها مباشرة سندات على الجمهور. وعليه قد توجد إمكانية وجود "سوق سوداء" للقروض التجارية بفائدة (M. A. Khan, 1991, pp. 49-50).

(19)    ضريبة الدخل النسبي والضريبة على الشركات هما مفضلتان على ضرائب المبالغ المقطوعة، لأجل أرباحهما المشارِكة في المخاطرة، برغم ما ينشأ من ارتفاع في تكاليف الرقابة المضادة للحافز (W. M. Khan, 1985).

(20)    انظر (Siddiqi, 1983a, p. 31) و (W. M. Khan, 1985, pp. 59-64). في بعض النماذج، حيث تكون عقوبة الغش صارمة بما يكفي، يمكن لعقود المشاركة، مع الرقابة العشوائية، أن تسيطر على عقد الدين النمطي، حتى على أساس المغامرة الأخلاقية (Mookerjee and Pug, 1989).

(21)    مصرف فيصل الإسلامي في السودان أدخل نظامًا شاملاً لمتابعة المتمولين على أساس المشاركة، مع ما يقتضيه ذلك من مشورة الفحص والإدارة، فارتفعت العوائد المعلنة على المشاريع الاستثمارية من 5-6% إلى 15% (O. Ahmed, 1990, p. 80).

(22)    انظر على الخصوص (W. M. Khan, 1987, p. 104) و (Bashir, 1990). وتعتمد تفسيرات نظرية المباريات للأخلاق الاقتصادية، والالتزام بالاتفاقيات التعاونية، على التفاعلات المتكررة لتفسير غياب الغش، عندما تكون المراقبة والعقوبة مكلفتين (Sugden, 1986).

(23)    عندما تكرر ... (علاقات الوكالة) ... نفسها عبر الزمن، تميل آثار عدم التأكد إلى الانخفاض، ويظهر سلوك الخلل الوظيفي على نحو أدق، وهذا ما يخفف المشكلة (Holmstrom, 1979, p. 90; see also Townsend, 1982, p. 1168).

(24)    (Radner, 1981; Pratt and Zechauser, 1985; Webb, 1989). وتتوقف رصانة هذه النتيجة على الوكيل الذي يتصرف كما لو أن الأفق الزمني كان محدودًا، ولا يخصم المنافع المستقبلية بصورة صارمة جدًا، وإلا فإن التقدير الحالي للمكاسب من الغش سوف يتجاوز مكاسب التعاون المستمر (Townsend, 1982; Radner, 1985).

(25)    في بعض اللقاءات، اكتشف هولاند (Holland, 1994) أن المنشآت الكبيرة في المملكة المتحدة التي تستفيد من متطلبات الضمان استراحت بتطور العلاقات الطويلة الأجل التي يتلقى فيها المصرف تدفقًا آمنًا من طلبات القرض العالية الجودة والعادة غير الائتمانية، ومعدلات الربح الهزيلة، في مقابل جودة أفضل وأولوية خدمة و"تفهم" خلال فترات التراجع. وتم دعم اتفاقيات ودية للمشاركة في المعلومات الحساسة، من جانب التدفق المستمر لتجارة الصفقات والروابط الاجتماعية الحميمة بين الأشخاص المعنيين.

(26)    (Nakatani, 1984; Hoshi et al., 1990a; Corbett, 1994).

(27)    انظر (Morishima, 1982 and Dore, 1983) انحل الترتيب التقليدي إلى حد ما، عندما استبدلت الشركات اليابانية التمويل المصرفي بالسندات، والأرباح المحتجزة وإصدارات رأس المال (Hoshi et al., 1990b; Economist, 1991c).

(28)    الصلة أوضح بالنسبة للاقتصاديين المسيحيين الذين يطورون مستلزمات حرمة الفائدة ضد خلفية جميع النظام الاقتصادي في العهد القديم (Schluter and Lee, 1993, pp. 198-206). لم يوضح التحريم القرآني في سياق مماثل من القوانين الاقتصادية المصممة للمحافظة على الجماعات الثابتة والمحلية.

(29)    مثلاً أقام بورتيس (Porteous, 1993a) الدليل على أن النظم المصرفية الوطنية في أستراليا وكندا قد فرضت شروطًا ائتمانية أقسى على المناطق المحيطة بالنسبة للقلب، ولاسيما في إقراض المنشآت الصغيرة. وإن ضيق البيانات يمنعنا من اختبار مماثل لتجربة المملكة المتحدة. لكن عرض رأس المال المغامر في المملكة المتحدة مركز بصورة غير تناسبية في المناطق التي يتوضع فيها مقدمو رأس المال المغامر (Mason, 1987).

(30)    جدوى العمل المصرفي المحلي والإقليمي تتعزز بدليل أمريكي يقوم على أن اقتصاديات الحجم العاملة تتناقص في المستوى المنخفض نسبيًا من الودائع (حوالي 25 مليون دولار(Benston et al., 1982). وقد فشل غولدبرغ وهانويك (Goldberg and Hanweck, 1988) في إيجاد أي مزية عملية للشركات المصرفية القابضة من فتح فروع بين الولايات، في حين أن رودس وسافيج (Rhoades and Savage, 1991) يذكران أنه في حين أن المصارف الصغيرة كسبت عوائد على الأصول مقارنة بالمصارف الكبيرة، كانت العمليات المتوسطة الحجم (التي تقدر أصولها بـ 100 مليون دولار- 1 بليون) الأكثر إدرارًا للربح. والمصارف الكبيرة في الولايات المتحدة التي تدير أصولاً أكثر تنوعًا، ولكنها ذات رافعة أعلى، غالبًا ما كانت تفشل (Boyed and Runkle, 1993).

(31)    (Parteous, 1993b, pp. 25-9). وهذا النظام المصرفي المزدوج يعمل جيدًا في ألمانيا، حيث تقدم المصارف الصغيرة والإقليمية معظم القروض إلى شركات ميتلستاند Mittelstand. وهذه الترتيبات المصرفية هي أكبر مساهم في قوة واستقرار "ميتلستاند" (Harm, 1992).

(32)    Black, 1975; Fama, 1985; Pecchenino, 1988.

هوامش الفصل الرابع: صياغة نموذج للمشاركة في الربح والخسارة
(1)    هذه النتيجة تعتمد على العائد اللاحق لكل عامل آخر، الذي يهبط عندما يتوسع التشغيل، بسبب الربح المتحقق الذي يوزع بين عدد أكبر من العمال.

(2)    هذه النتيجة تعتمد على فروض عديدة تتعلق بقرار المقترض (العوائد الثابتة، حياد المخاطرة).

(3)    مثلاً سترغب المنشآت في التحول إلى دفع الأجور في اقتصاد مشاركة، من أجل اجتذاب عمال كارهين للمخاطرة وذوي جودة عالية، واستعادة حرية التسريح. وسوف يرغب المصرف في نظام غير قائم على الفائدة في تقديم قروض بفائدة لاجتذاب مقترضين ذوي جودة عالية، وتخفيف تكاليف الرقابة.

(4)    تميل المنشآت ذات البرامج القائمة على المشاركة في الربح إلى الإعلان عن إنتاجية، وأرباح، ونمو أعلى نسبيًا (Fitzroy and Kraft, 1987; Wadhwani and Wall, 1990). ووجد شليوس وسميث (Chelius and Smith, 1990) أن المنشآت ذات البرامج القائمة على المشاركة في الربح تتمتع في التشغيل، خلال فترات انقباض الطلب، باستقرار أكبر من منشآت "الأجر المحض".

(5)    هذا الفصل معدّل عن "علم الاقتصاد الإسلامي: ظهور نموذج جديد"، (Economic Journal, May 1994, 104(424), 584-97).

(6)    النموذج التالي عبارة عن تطبيق مبسط قائم على غربلة متغير واحد للتحاليل التي توصل إليها هولمستروم وويس (Holmstrom and Weiss, 1985 and Meyer, 1986).

(7)    فيما يتبع نستخدم عبارة "تجمع مالي" للدلالة على مجموعة مستثمرين في مشروع معين.

(8)    تفسر "نتيجة" المشروع بلغة قيمته النقدية.

(9)    فيما يتبع نستخدم الرمز (.)g للدلالة على المشتق الجزئي من الدالة (.)g مع مراعاة الحجة (k) في الحالة (i).

(10)    من الجائز طبعًا في عقد الربا ربط s بكل من I و Y ( وفي الحقيقة في وضع أكثر عمومية، أي متغيرات قابلة للملاحظة). وهذه المشكلة، مشكلة الغربلة المتعددة المتغيرات معروضة بالتفصيل في HW. وفي هذه الورقة نركز الانتباه على عقد الربا "المحض" الذي يكون فيه (s) مرتبطًا بـ (I) فقط. ومثل هذا الفرض يسهل كثيرًا العرض التحليلي لنتائجنا بدون إجراء تسوية غير ملائمة في تعميمها.

(11)    لاحظ أن عبارة "مضاربة" مستخدمة للدلالة على أن نتيجة المشروع هي الحجة الصريحة لاتفاقية القرض. ومن المهم أن نلاحظ مع ذلك أن عقد الربا لا يحتاج أن يكون واحدًا من العقود التي تحدد دفعة ثابتة في جميع الحالات، فالدفعات قد تختلف باختلاف الحجج.

(12)    قد يفترض أيضًا أن عقد المضاربة يربط s بالنتيجة الإجمالية للمشروع z.

(13)    لاحظ أن () تمثل دفعة إلى التجمع المالي صافية من إعادة دفع I، التي هي مشمولة أصلاً بلغة التكلفة. وهكذا فإن التجمع المالي يقبض حاليًا ().
(14)    مثلاً يعتقد كندي (Kennedy, 1988, p. 55) أن تدفقات الفائدة هي السبب الرئيس لاستمرار تفاوت الثروة في ألمانيا، لأن أعلى 20% فقط من الأسر هم متلقّون صافون.

هوامش الفصل الخامس: العمل المصرفي غير القائم على الفائدة في التطبيق
(1)    في الماضي، عشقت البلدان العربية شعار "إقراض النقود أسهل من استثمارها" ... هذه النظرة، مع تأكيد غياب رأس المال المخاطِر، وضعت العالم العربي في حالة من الانحطاط الاقتصادي، إذ إن العديد من الأسواق الاستثمارية لم تستخدم بطاقتها الكاملة. ولهذا فإن السيولة والأمان كانا المحددين الرئيسين في السياسات الاستثمارية لبلدان الفائض النفطي العربية (Abdul-Hadi, 1988, p. 108).

(2)    المصرف الإسلامي لا يعمل بدون لجوء إلى الفائدة فحسب، بل يستخدم أيضًا هيئة رقابة شرعية لتأكيد الالتزام بالأحكام القرآنية الأخرى (الغَرَر، الخمر، الخنزير) ولإدارة صندوق الزكاة.

(3)    يجب التمييز بوضوح بين المصارف الإسلامية وبيوت الاستثمار الإسلامية التي تعمل أيضًا على غير أساس الفائدة، ولكنها مالت إلى المضاربة بالأموال والعملات الأجنبية والمعادن الثمينة والأسهم. وليس من العجيب أن ينهار العديد منها (See Edge, 1988, p. 49-51; Wilson, 1990b, p. 4). وبالرغم من أن BCCI قدم ألوانًا من الادخار الإسلامي وعقود الاستثمار، إلا أنه كان بشكل أساسي مصرفًا قائمًا على الفائدة.

(4)    مثلاً قام بيتا التمويل الإسلامي التركيان في نهاية السنة الثانية من عملهما (1978) بجذب 1,16% من مجموع الودائع المصرفية.

(5)    الكويت (20%)، مصر (17%)، البحرين (16%)، (Wilson, 1990b, pp. 7-8). وفي 1986 كانت المصارف الإسلامية الستة من بين أكبر مئة مصرف عربي (Nienhaus, 1988, p. 136).

(6)    وزعت أرباح كبيرة في البداية على مودعي مصرف فيصل الإسلامي المصري، والسوداني (Bashir, 1984; El-Ashker, 1987, p. 130)، في حين أن المصارف الإسلامية في دول الخليج حاكت باستمرار المنافسة التقليدية (Nassief, 1990). لكن الأداء اللاحق للمصارف العربية الإسلامية كان مخيبًا للآمال، بسبب الإفراط في تعرضها لتمويل التجارة (التي أصابها الكساد أثناء حرب الخليج) و Bcci (Moore, 1990).

(7)    البديل للمصارف الإسلامية في العديد من البلدان ... ليس هو المصارف التقليدية، بل هو الفراغ، مع مدخرات مكتنزة تمامًا في صورة نقود عاطلة أو معادن ثمينة أو سلع أخرى. والعديد من المسلمين الملتزمين يضعون فقط من الأموال أكثر من هذا في المنازل والعقارات، مما يتسبب في ارتفاع الأسعار، ولكن بدون تنمية حقيقية (Wilson, 1990a, p. 5).

(8)    وهذا ما يتعارض مع التنبؤ النظري بأن المصارف الإسلامية تحتاج إلى الاحتفاظ بحد أدنى من الاحتياطيات ضد ودائعها الاستثمارية، بسبب منع الوصول الفوري إليها، ودفع العوائد ذات الصلة بالأرباح (El-Ashker, 1987, pp. 220-1).

(9)    مجلس الفكر الإسلامي في الباكستان يصف هذه الترتيبات بأنها "ليست أكثر من حل ذي أفضلية ثانية، من وجهة نظر النظام الاقتصادي الإسلامي الأمثل". ويحذر بأن هناك خطرًا من احتمال إساءة استعمالها كوسائل لفتح باب خلفي للفائدة بكل عيوبها الملازمة لها. لهذا من الواجب عدم السماح أبدًا باستخدامها كأساليب عامة للتمويل (CCI, 1983, p. 110). وقد تحققت هذه المخاوف، عندما كيفت المصارف الإسلامية عقود المرابحة للوصول إلى ما يعادلها من البدائل القائمة على الفائدة (M. A. Khan, 1991, p. 53)، وقدمت الائتمان التجاري الغربي المتعدد الجنسيات بشروط المرابحة التي تختلف باختلاف الليبور (Ireland, 1990).

(10)    تمويل التجارة كنسبة من الأصول المستثمرة تراوح بين 60-70% في مصرف فيصل الإسلامي المصري (1979-1984)، و 80% في المصرف الإسلامي الأردني، و 82,5% في المصرف الإسلامي الماليزي (1988)، و 90% في المصرف الإسلامي التركي (1987) (See El-Ashker, 1987, p. 136; Shallah, 1990, p. 117; Naughton and Shnmugan, 1990, p. 27; Baldwin, 1990, p. 50).

(11)    التعارض بين النظرية والتطبيق ظاهر للمراقب الغربي (Cooper, 1981, p. 55; Nienhaus,1988, p. 159)، ومعترف به من قبل المنظرين المسلمين (M. A. Khan, 1991, pp. 51-3) والمصرفيين (See Baldwin, 1990, pp. 53, 57).

(12)    الحاجة إلى أصول احتياطية سائلة ذات عائد في المصارف غير القائمة على الفائدة قد دفعت البنك الإسلامي للتنمية، وهو المقابل الإسلامي للبنك الدولي، إلى ؟؟؟؟ في محفظته الاستثمارية، التي يمكن التجارة بها بين المصارف الإسلامية لتقديم سيولة طوارئ (Wilson, 1990d, pp. 206-7).

(13)    البنك الإسلامي الأردني يعزو إهماله النسبي لتمويل المشاركة إلى انخفاض المستوى الأخلاقي في مجتمع الأعمال الأردني (Shallah, 1990, p. 128; cf Wilson, 1987, p. 223).

(14)    حيث تننافس المصارف الإسلامية مع منافساتها التقليدية، تكون فرص بقائها أكبر في المجتمعات الإسلامية المتعددة الأعراق. وعندئذ فإنها تستطيع استثمار قطاع من المجتمع في جماهير معتدلة وأصولية، وأن تتمتع بقاعدة ودائع مستقرة، وأن تستثمر الأموال بسهولة أكبر (Moore, 1990).

(15)    في يناير 1992، حرمت المحكمة الشرعية الاتحادية في الباكستان جميع أشكال الفائدة في البلاد. وهذا يتضمن الفائدة على الدين الحكومي، وعلى ودائع العملات الأجنبية، والقروض الدولية، التي استبعدت من عملية الأسلمة الأصلية (Hussain, 1992). فاستأنفت الحكومة ونجحت ضد قرار المحكمة العليا (Economist, 1992b; Parker, 1993).

(16)    ومع ذلك ضعف التوجيه المركزي لرأس المال، مع الخصخصة التدريجية للنظام المصرفي الباكستاني، التي بدأت في عام 1991.

(17)    لم يمتد التزام السلطات إلى إقامة نظام مصرفي حقيقي يقوم على المشاركة. فليست القيم الاسمية للودائع الاستثمارية مضمونة فقط، بل فرضت أيضًا نسب دنيا وقصوى للمشاركة في الربح والخسارة، وعوائد موحدة على الودائع، لمنع تسرب الودائع.

(18)    انظر (Mirakhor, 1988, pp. 99-105; Aryan, 1990, pp. 169-70 and Khan and Mirakhor, 1990, pp. 362-3).

(19)    أسلمت ماليزيا نظامها المصرفي بطرق مختلفة، فالمصارف الإسلامية والتقليدية تعمل حاليًا تحت نفس الهيكل النظامي وهيكل كفاية رأس المال. وقام المصرف المركزي بتأسيس مجلس شرعي له، لتوحيد إجراءات العمل المقبولة في المصارف الإسلامية وتجنب الازدواجية. والهدف الصريح هو جلب المسلمين الملتزمين إلى النظام المصرفي (Parker, 1993; Economist, 1993a).

(20)    الكتابات الإسلامية سكتت عن مسألة كيفية خدمة الدين الحكومي الحالي، في اقتصاد غير قائم على الفائدة، لأن استهلاكه قد يأخذ، في معظم الحالات، عقودًا من الزمن بدون تضخم أوامتناع عن الدفع.

هوامش الفصل السادس: التمويل غير القائم على الفائدة والاستقرار الاقصادي الكلي
(1)    يجب تمييز ذلك من نظرية هوتري () "النقدية المحضة". فهو يعزو تقلبات الطلب الفعلي فقط إلى اختلاف الإنفاق النقدي الناشئ من الاكتناز، والنظام المصرفي "غير المستقر في أصله" (See Haberler, 1937, ch. 2).

(2)    كذلك الهوامش المصرفية ترتفع لتغطية خطر عدم السداد المتزايد.

(3)    تجربة البلدان النامية ردًا على تهديد الدين تمثل لغز فيشر. فإن برامج التعديل الهيكلي لصندوق النقد الدولي استلزمت تخفيض العملة، وتحولاً في إنتاج صادرات المحاصيل النقدية: "جهود كل بلد نام يعمل مستقلاً لمواجهة التزامات خدمة الدين، بتخفيض مكاسب التصدير لجميع مصدّري هذه السلع، جعلت من الصعب أكثر بالنسبة لتنمية المنتِجين الأوليين كجماعة مواجهة التزاماتهم" (Gilbert, 1989, pp. 783-4; see also Sarkar, 1991).

(4)    مثلاً (1963) و (1967) و (1977) و (1982) و (1985). وقُدمت تحليلات مماثلة من (Robinson, 1977, p. 1331; Sinai, 1977; Knodell and Levine, 1985; and Kindleberger, 1989).

(5)    حيثما ارتفعت أسعار الأصول بقوة، فإن برامج بونزي ذات الرافعة ستظهر في الغالب دائمًا مربحة، أيًا ما كان معدل الفائدة، لأن كلفة رأس المال لا تختلف مع العوائد المضاربية (Wray, 1992).

(6)    مع هيكل مالي هش، يعتقد مينسكي أن التشغيل الكامل لا يمكن بلوغه إلا على حساب معدلات تضخم مرتفعة تتآكل معها القيمة الحقيقية للديون (1976, pp. 140-1).

(7)    يفسر طرح أسهم رأس مال جديدة على أنها محاولات إدارية لتخفيف خطر الإفلاس، بسبب معلومات داخلية معاكسة (Ross, 1977)، لأن المساهمين الحاليين يتخلصون من أصول قليلة الجودة(Myers and Majluf, 1984)، أو لأن المديرين يحاولون تجنب قواعد التمويل بالدين (Harris and Raviv, 1990)، أو على أنها إشارة إلى أن المصارف التي لديها معلومات داخلية رفضت أصلاً طلب التمويل (Greenwald and Stiglitz, 1988b, p. 146). والعديد من هذه الآثار يعتمد على التمويل بالدين لإصدار رأس مال للإشارة إلى معلومات داخلية معاكسة، وقد تختفي هذه الآثار في نظام مالي غير قائم على الفائدة.

(8)    (Fazzari et al., 1988; Greenwald and Stiglitz, 1990, p. 21; and Bond and Meghir, 1994).

(9)    في الحقيقة يكون إقراض المصارف للمنشآت الصغيرة أكثر موافقة للدورة من المنشآت الكبيرة، بالنظر لأهمية قيمة الأصول في تحديد وصول المنظمين إليها، وكلفة رأس المال (Gertler and Gilchrist, 1993).

(10)    (Kiyotaki and Moore, 1993) يبين كيوتاكي ومور، في نموذج دينامي كامل، كيف أن الصدمات التكنولوجية، التي تؤدي إلى تقلبات أسعار الأصول، تنتج دورات في الناتج الحقيقي، من خلال استخدام الأصول كضمانات قروض.

(11)    الاستثناء الوحيد الممكن قد يكون هو العائد على حيازات الأراضي، التي قد لا تهبط بالتوافق مع العوائد في اقتصاد إنتاجي، بسبب النمو السكاني.

(12)    إن هبوط رأس مال المصرف في الولايات المتحدة (بسبب التخلف عن الدفع والخسائر الرأسمالية)، مقرونًا بمتطلبات رأس مال نظامية أعلى، إنما ولّد "أزمة رأس مال" في أوائل التسعينيات (Bernanke and Lown, 1991). وهذا ما زاد جدًا في انقباض الائتمان في الولايات المتحدة، الذي تركز على الإقراض التجاري، ولاسيما للمنشآت الصغيرة، من قبل المصارف ذات الأوضاع التي تعاني من ضعف رأس المال. وعلى الرغم من عودة الاسترخاء إلى الوضع النقدي في الولايات المتحدة، قامت المصارف بتحميل هوامش قرض قياسية، وضيقت شروط الإقراض بلا ثمن. وكانت قيود العرض ذات أثر كبير في تخفيض مجموع الإقراض (Akhtar, 1993-4).
كذلك وجد هذان الباحثان: (Llewellyn and Drake, 1994) دليلاً في المملكة المتحدة على "أزمة الائتمان" في 1990-1991 وذكرا على الخصوص توسيع هوامش الإقراض التجاري، في حين ضاق انتشار البيع بالجملة، كدليل على عرض مستقل مقيد.

(13)    طور ويب (Webb, 1993) نموذجًا بيّن فيه أن المصارف، لأنها تستخدم عقود دين لأسباب المراقبة والضبط، فإن صحة ميزانياتها سوف ترتبط ارتباطًا موجبًا مع إمكانيات المقترضين، مما يؤدي إلى زعزعة استقرار تدفقات الإقراض.

(14)    (Angell, 1935, pp. 4-5; Kindleberger, 1989, pp. 18, 59).

(15)    في نظام مشاركة نظري: "لا يخلق الائتمان إلا في الحدود التي توجد فيها إمكانيات أصلية لخلق ثروة اجتماعية إضافية، من خلال مشروع إنتاجي. وسوف يتحدد الطلب على سلف المشاركة في الربح في حدود الموارد المتاحة، وقدرة المصارف على خلق الائتمان الذي سوف يستدعى للعمل فقط في حدود هذا الطلب، الخاضع للقيد المفروض على توقعات الأرباح" (Siddiqi, 1977, p. 10).

(16)    قارنَ برنانكي وجيمس (Bernanke and James, 1991) بين تجارب 24 بلدًا في 1930-1933. وعانت البلدان التي جربت الذعر المصرفي معاناة كبيرة من انهيارات جدية في الناتج أكبر مما عانته البلدان التي لم تشهد مثل هذه التجارب.

(17)    (M. S. Khan, 1986, p. 19; Khan and Mirakhor, 1990, p. 1992).

(18)    يحلل هذان الباحثان: (Shleifer and Vishny, 1992) التفاعل بين قيم الأصول ودين الشركات، بافتراض أن العديد من الأصول التجارية هي الأكثر قيمة عندما تباع على أنها "مشاريع رائجة" إلى عاملين متمرسين في نفس الحقل التجاري. وفي حالة صعود النشاط، تكون الأسواق في مثل هذه الأصول عالية وسائلة في آن واحد، لأن التدفقات النقدية القوية تمكن المشترين المحترفين من تمويل مشتريات الأصول، وتحريك التوقعات المواتية للعوائد المستقبلية للأصول. فالسيولة وإرادة الإقراض كل منهما يعزز الآخر: الناس يقترضون والمصارف تقرض في أسواق سائلة، لأن إعادة البيع جذابة، ولكنها جذابة بقدرة المشترين في المستقبل على الإقراض. ولهذا فإن القدرة على الاقتراض تزيد السيولة، التي ترفع بالمقابل القدرة على الاقتراض (ibid, p. 1362).
ومع ذلك، خلال فترات تراجع الصناعة أو الاقتصاد، عندما تحتاج الأصول إلى بيع لمواجهة مدفوعات خدمة الدين، أغلب الظن أن المنشآت "المطلعة" التي تقوّم  الأصول تقويمًا مرتفعًا تواجه أيضًا قيودًا على التدفق النقدي، ونوعًا من تحصيص ( توزيع في حصص ) الائتمان. ولهذا فإن المنشآت البائسة يبدو أنها تُشترى بأثمان بائسة، من قبل مستثمرين من الخارج ذوي "جيوب عميقة" سوف يستخدمون الموارد بكفاءة أقل. وتكون الآثار النهائية المرافقة هي التقلبات المبالغ فيها في قيم أصول الشركات وسوء تخصيص ملكيتها.

(19)    يرى المنظرون المسلمون أن مصرفًا تحكمه الشريعة لا يموّل مشاريع مضاربية محضة. كذلك يعتقد الزرقا وصديقي (Zarqa, 1983c and Siddiqi, 1991, p. 3) أن مضاربة معدل الصرف سوف تنخفض كثيرًا باستبعاد الفائدة.

(20)    ومع ذلك، يشير كينغ (King, 1994) إلى أن الأسر الدائنة لن تزيد بالضرورة الاستهلاك، مع ارتفاع ثروتها الحقيقية، بما يكفي لتعويض انخفاض الأسر المدينة، لأن إعادة التوزيع تحدث مع عدم التأكد المتزايد في الاقتصاد الكلي. وفي الحقيقة قد يزيد الدائنون المدخرات لأسباب احتياطية.
(21)    ارتفعت نسبة خدمة الدين إلى الدخل القومي من 9% إلى 19,8% ( 1929-1933). ولهذا فإن 45% من جميع المزارعين تخلفوا عن الدفع (Bernanke, 1983, p. 260; cf Hamilton, 1987; Calomiris, 1993).

(22)    أثّر العامل المالي على طول عملية الدورة وعمقها وسعتها وشدتها. والحقيقة أن تجربة ما بعد الحرب تقترح أن يكون العامل المالي عنصرًا حاسمًا في الدورة التجارية (Eckstein and Sinai, 1986, p. 62; see also Wojnilower, 1980; 1985; and B. Friedman, 1986a). وجد هذا الباحث: (Wolfson, 1990) علاقات نموذج مينسكي ذات أثر في الدورات التجارية في الولايات المتحدة بعد الحرب.

(23)    برنانكي وزملاؤه (Bernanke et al., 1990) حاكوا فترة التراجع في الولايات المتحدة 1973-1974، باستخدام هيكل رأس مال الشركات 1988. وفي السنة الثانية، كانت 25% من المنشآت غير مليئة. وبعبارة أخرى، هذه المنشآت لها ملطفات رأس مال في عام 1988 هي أقل من الانهيار في قيمتها السوقية في فترة التراجع 1973-1974.

(24)    (Liebling, 1980, p. 76; B. M. Friedman, 1986b; Kaufman, 1986).

(25)    (Fisher, 1933b, p. 118; Simons, 1948, p. 165; Gertler and Hubbard, 1990, p. 52).

(26)    انظر على الخصوص (Chapra, 1985, pp. 117-22; M. S. Khan, 1986, p. 15ff and Siddiqi and Zaman, 1989, pp. 46-7). ومتانة الاقتصاد الياباني حيال الصدمات الخارجية عُزيت إلى نظامه المالي القائم على المشاركة في المخاطرة والربح (Nakatani, 1984, pp. 243-5).

(27)    (Sargent, 1991 and Milne, 1993) هذان الباحثان يصنفان نمو مديونية القطاع الخاص في المملكة المتحدة. و (Davis, 1992 and IMF, 1992) يقدمان مقارنات دولية.

(28)    وهذا يتضمن: خسارة استثمارات منشأة معينة من قبل العمال والموردين، وخسارة التعاون Synergies من بيع الأصول الاضطراري، وعلاوات الخطر المتزايدة المماثلة لما يدفعه المقترضون، وإفلاسات الدائنين.

هوامش الفصل السابع: مسائل أساسية في النظام المصرفي الإسلامي 
(1)    من أجل مناقشة أوفى، انظر مثلاً أعمال محمد عمر شابرا المذكورة في قائمة المراجع.

(2)    يعبّر العديد من المنظرين المسلمين عن تشاؤمهم من دلالة مرونة الادخار بالنسبة للفائدة (Mannan, 1970, pp. 168-9; Ariff, 1982b, p. 294; Siddiqi, 1983b, pp. 168-9; cf. Kurihara, 1955, p. 272).

(3)    تؤكد النماذج النظرية والدراسات العملية هذا التنبؤ (Leland, 1968, Ishikawa and Ueda, 1984).

(4)    انظر: (Tobin, 1958 and Fama and Miller, 1972, ch. 7).

(5)    بالإضافة إلى ذلك، يناضل سيف الدين (El-Din, 1991) بأن تحليل نظرية المحفظة على أساس التباين المتوسط يتوقف على تحدب منحنيات السواء بين الخطر والعائد لدى المستثمرين. ومع ذلك، إذا كانت عوائد الأصول غير تامة الترابط، كما يبدو، فإن منحنيات سواء المستثمرين لا تحتاج لأن تكون محدبة، ويفقد التحليل أثره الحرج بالنسبة للعمل المصرفي غير القائم على الفائدة، قارنْ (S. Ahmed, 1989, p. 161).

(6)    (Phelps, 1967; Sandmo, 1970; Hanson and Menezes, 1978). ومع ذلك، فإن نماذج التنبؤ هذه التي يرغب فيها الادخار ستهبط إذا اقترن تباين عائد أكبر مع عائد متوقع متوسط أدنى. لكن العائد المتوسط المدفوع للحسابات الاستثمارية يجب أن يتجاوز مقابله الحامل للفائدة، بسبب خصائصه من حيث المشاركة في الخطر (El-Ashker, 1987, p. 52)، ولأن مصارف المشاركة يجب أن تكون أكثر كفاءة في تخصيص الأموال القابلة للقرض (انظر أدناه).

(7)    حتى إن بعض الأنصار يدّعون أن ودائع المشاركة قد تصبح أدوات تحوط جيدة من التضخم (El-Ashker, 1987, p. 219)، وتؤدي إلى تخفيض الاكتناز وهروب رأس المال في الاقتصادات المعرّضة للتضخم الجامح (Anwar, 1987b, pp. 61-71).

(8)    في التطبيق، يتم تخفيض متطلبات الرقابة بالتنظيم الحكومي والتأمين على الودائع (Iqbal and Mirakhor, 1987, p. 30n. 60).

(9)    في اقتصاد غير قائم على الفائدة، قد تواجه المصارف منافسة على أموال المستثمرين من رأس المال أكبر منها في اقتصاد تقليدي. ولن تجبَر فقط الشركات والمصارف والمستثمرون على زيادة استخدام سوق الأسهم (بسبب غياب التمويل بالدين). وبهذا تقل تكاليف الصفقات، بل يجب تقليل مخاطر حيازات أسهم رأس المال بسوق أعمق، وغياب مشتريات الأسهم المضاربية الممولة بقروض، وتخفيض رافعة الشركات (نسب رافعة أخفض تقلل عامل اختلاف صافي أرباح الشركات، مما يؤدي إلى أسعار أسهم وتوزيعات أرباح أكثر استقرارًا) (Baumol, 1977, p. 627).

(10)    تكاليف الرقابة واعتبارات المغامرة الأخلاقية لم تمنع المصارف الإسلامية من النجاح في اجتذاب المودعين عمليًا (El-Din, 1991, p. 64).

(11)    معدل الفائدة السوقي ... يؤدي، من خلال الاستخدامات ذات الإنتاجية الصافية الأعلى، إلى ندرة عرض السلع الرأسمالية في المجتمع (Samuelson, 1976, p. 602).

(12)    (Malinvaud, 1965, p. 221; De Meza and Webb, 1987, p. 284).

(13)    يعترف أصحاب نظريات التخصيص الائتماني صراحة بأن الوساطة القائمة على الفائدة، في حال وجود عدم تماثل في المعلومات، فيما يتعلق بخصائص المقترضين وتصرفاتهم، لا تستطيع بلوغ تخصيص الأفضلية الأولى للأموال القابلة للقرض (Mankiw, 1986, p. 460). وفي النموذج الأكثر ذكرًا (Stiglitz and Weiss, 1981)، يقدم عقد الدين بفائدة للمقترضين حافزًا لاختيار المشاريع التي خيارها بين الخطر والعائد أعلى مما يرغب فيه المقرضون. فإذا ازداد معدل الفائدة فوق نقطة محددة، فإن طالبي القروض يميلون إلى المشاريع ذات المخاطر العالية، ويتحملون مخاطر كبيرة في قراراتهم الإنتاجية. ومع ذلك، فإن عجز المقرضين عن سهولة تحديد ومراقبة المقترضين الذين يتعرضون للمخاطر إنما يعني أن إيرادهم الكلي قد يمكن تعظيمه بمعدل فائدة أدنى من مستوى المُقاصّة في السوق:
"لا يوجد افتراض مسبق بأن توازن السوق يخصص الائتمان للذين يكون عائدهم المتوقع على استثماراتهم هو الأعلى" (ibid., p. 407).
لا يستطيع المقرضون المتنافسون أن يستريحوا من إشباع الطلب على القروض غير الملبّى، بتقديم مزيد من الائتمان، بمعدل فائدة أعلى، لأنهم يميلون إلى اجتذاب مقترضين أكثر مخاطرة وتفاؤلاً، مع أرجحية عالية في التخلف عن الدفع. ومن ثم ففي ظروف المعلومات غير المتماثلة والرقابة المكلفة، يكون تخصيص الائتمان القائم على الفائدة متحيزًا نظاميًا ضد المشروعات ذات العوائد المتوقعة القصوى (Jaffee and Stiglitz, 1990, p. 868)، ولا يتم تمويل إلا القليل من المشروعات. وفي عقود رأس المال أو المشاركة، يرغب مقدمو رأس المال في تمويل هذه المشروعات، ولكنهم يواجهون مشكلات بديلة تختص بالمغامرة الأخلاقية والاختيار العكسي اللذين تمت مناقشتهما أعلاه.

(14)    حيث إن المصارف تمسك بصفة أساسية مطالبات ديون، فإنها تتلقى قليلاً من ؟؟؟ الأداء الطيب غير المعتاد للمنشأة ... وبالمقابل فإن المساهمين يُعنون فقط بتعظيم ؟؟؟. ويمكن أن يؤدي هذا التنازع إلى سياسات استثمارية محافظة إلى حد الإفراط، إذا تحكمت المصارف بقرارات الاستثمار في الشركات (Hoshi et al., 1990b, p. 122; cf. Jaffee and Stiglitz, 1990, p. 842).

(15)    انظر (Siddiqi, 1983a, pp. 69-70; 1991, p. 30; Nassief, 1990, p. 57 And Stiglitz, 1985, p. 146).

(16)    عمومًا يعزف النظام المصرفي البريطاني عن تمويل توسع المنشآت الصغيرة على نحو ملائم، بسبب الأخطار الملازمة له، واحتمال قلة الربح في فترة عملها الأولى. ونادرًا ما تسدّ فجوة التمويل برأس المال المغامر، بسبب المخاطر العالية وتكاليف التقويم، مما يعني أن جودة المشروع يجب أن تكون عالية جدًا لجذب التمويل. كذلك فإن مقدّمي رأس المال المغامر يخففون الرقابة على المنشآت، وربما يتطلب الأمر طرحًا عامًا للأسهم لتحقيق استثماراتها (Lorenz, 1989, pp. 150-3). وقد تقوم مصارف المشاركة في الربح بملء هذه الفجوة في رأس المال المغامر مع الاقتصاد في تكاليف الرقابة، ولا يتطلب هذا بالضرورة أن يتجه المقترض نحو الجمهور في البورصة.

(17)    متطلبات الضمانات العالية (والتزامات خدمة الدين غير الاحتمالية) يمكن أن تقنع المنظم  الكاره للمخاطرة بالعدول عن التمويل المصرفي، على الرغم من أن له مشروعًا رابحًا في الغالب (Ordover and Weiss, 1981). وبالمقابل فإن الاستثمارات الرابحة قد تؤجل إلى أن تتراكم ضمانات كافية (Zhou, 1992).

(18)    حتى التحليل المسيحي لأزمة الدين فشل في تحديد هوية الفائدة على أنها جذر المشكلة (Pontifical Commission, 1986; Christian Aid, 1991). الكثيرون يشجبون عدم المسؤولية في الإقراض المصرفي (Elliott, 1987, p. 32; Mahoney, 1991, pp. 56-7; Higginson, 1993, pp. 107-12)، دون إدراك أن التمويل بالفائدة يعطي قليلاً من الحوافز المباشرة للمصارف لكي تقرض بمسؤولية (انظر المناقشة اللاحقة).

(19)    مثلاً، في الفترة 1983-1990، دفعت البرازيل فوائد قدرها 65,76 بليون دولار، واستهلاكات قروض قدرها 43,51 بليون دولار، وحتى الآن يبلغ مجموع دينها الخارجي بين 98,27 بليون دولار و 116,17 بليون دولار، من خلال الفوائد المتراكمة والقروض الإضافية (World Bank, 1991, II, p. 38).

(20)    (Griffiths-Jones and Sunkel, 1986, pp. 67, 107; George, 1988, pp. 14-29; Vallely, 1990, pp. 149-58).

(21)    يجب ألا تكون مصارف المشاركة على هذه الشاكلة من الضعف، لأنها يجب أن تكون واثقة من أن المشروع الممول سيدرّ عائدًا/ ربحًا بالعملة الأجنبية (Siddiqi, 1983a, pp. 78-81; Chapra, 1985, p. 74; cf Ballantyre, 1988, p. 8).

(22)    ثقل الدين في البلدان النامية دفع إلى فحص قروض التنمية ذات العائد الاحتمالي المعتمد على الناتج أو الإيراد السلعي للبلد المقترض، بدلاً من الاعتماد على الفائدة. وتسيطر عقود المشاركة في الإيراد على قروض الفائدة المرتبطة بأسعار السلع، بتنعيم صافي دخل المقترض. ومع ذلك فإن المواثيق التقييدية لا تزال ضرورية للتخفيف من المغامرة الأخلاقية (O’Hara, 1990; see also Froot et al., 1989).

(23)    (Snowden, 1987; World Bank, 1991, pp. 48-9; cf. Kubarych, 1982).

(24)    الإعانة الحكومية العلنية اتخذت شكل إعفاء ضريبي على المخصصات المصرفية مقابل الديون السيئة في البلدان النامية، التي لم تستبعد بعد (Vallely, 1990, p. 194). وهناك دعم أقل وضوحًا يشمل التأمين الحكومي على الودائع، والمهلة الإضافية التي تؤخذ فيها المخصصات على الميزانية، وقروض الطوارئ من صندوق النقد الدولي لخدمة الديون المستحقة على المصارف وغير المدفوعة، مع القواعد المصاحبة لها. وفعلاً عملت الوكالات المتعددة الأطراف على أنها محصلة ديون للنظام المصرفي التجاري (Dornbusch, 1986, p. 63).

(25)    أثبتت تجربتنا المؤلمة أن المصارف الخاصة عاجزة عن إصدار أحكام موثوقة بالنسبة للمخاطر التي ينطوي عليها تمويل التنمية الاقتصادية، بل ليس لدينا أدنى فرصة للتأثير كيف ولأي استخدام توضع فيه القروض التي تعقدها ... ويبين السجل الكارثي للتمويل الخاص للتنمية الاقتصادية أن ليس هناك مكان للمصارف (Anonymous Intrnational Banker, ‘Bad Business for All Concerned’, International Herald Tribune, 16 Oct. 1985; quoted in George, 1988, p. 34).

(26)    يجب أن تكون المصارف غير القائمة على الفائدة أقل كراهة للمخاطرة في تخصيصها للأموال من نظيراتها التقليدية، لأنها لم تصدر خصومًا مضمونة القيمة والعائد (Albach, 1982; Mohsin, 1982, p. 190).

(27)    مع ذلك ليس هذا للمطالبة بأن تصر هذه المصارف على بعض الضمانات للتخفيف من مخاطر الإقراض، وللحفاظ على الحوافز التنظيمية للجهد.
(28)    هذا الملمح يجب أن يكون هو الأنفع لاقتصاد نامٍ، حيث تكون المهارات الإدارية والتجارب نادرة (Abdeen and Shook, 1984, p. 187).

(29)    مثلاً الحسم الزمني يجب أن يستمر في تقويم المشروعات الاستثمارية، على أساس تكلفة الفرصة البديلة. ويمكن أن يكون معدل الحسم المطبق نوعًا من بديل ملائم يتمثل في الربحية المتوقعة للاستثمارات البديلة، مثل معدل العائد على رأس مال المنشأة، أو على الودائع المصرفية المشاركة في الربح (Mannan, 1982; Zarqa, 1983a; Tomkins and Karim, 1987; M. F. Khan, 1991).

(30)    في الفقه الإسلامي، يجب في عقد الشركة تحديد نسبة ثابتة للمشاركة في الربح والخسارة طيلة مدة الشركة، ويمكن تعديلها عند تجديد العقد.
(31)    هذه المناقشة مبنية على افتراض قوي، هو أن الأرباح التي يصرح بها المتمول لا تختلف باختلاف نسبة المشاركة في الربح والخسارة المتعاقد عليها مع المصرف. ومع ذلك إذا أدت النسبة العالية إلى تخفيض جهد المتمول أو زيادة المغامرة الأخلاقية، فإن المصرف غير القائم على الفائدة قد يعظم ربحه بتقديم نسب مشاركة في الربح والخسارة أدنى من مستوى المُقاصّة في السوق، وهو مقابل المشاركة في التحصيص الائتماني.

(32)    (Haque and Mirakhor, 1987; Bashir et al., 1993) رأى بشير وزملاؤه أن هذه التوقعات قد تحققت في التجربة الاستثمارية لبيت التمويل الكويتي (1978-1988).

(33)    (Uzair, 1978, p. 49; Siddiqi, 1983a, pp. 102-10; S. R. Khan, 1984).

(34)    (Greenwald et al., 1984, p. 194) وجد هؤلاء الباحثون أن تحليل كينز يفتقر إلى الصبغة المعاصرة، لأن "مصيدة السيولة" تعتمد جدًا على الطلب المضاربي على النقود، ووُجد أن الاستثمار غير مرن عمومًا حيال معدل الفائدة.

(35)    مثلاً، اختبرت آمسلر (Amsler, 1993) فكرة كينز بأن قاعدة الذهب قد تجبر معدلات الفائدة على مستويات غير متوافقة مع التشغيل الكامل، بغرض اجتذاب تدفقات نقدية داخلة. ووجدت أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة دخلتا في سعر المصرف (1925-1931) على حساب مستويات التشغيل التبادلي.
(36)    الحافز للإقراض على أساس الاحتياطي الجزئي يوجد حيثما يتاح عائد ما من التزام الأموال (مثل الأرباح الموزعة). ومن ثم فإن الفائدة ليست شرطًا ضروريًا في العملية، فهناك مصارف الاحتياطي الجزئي القائمة على المشاركة في الربح في النظرية والتطبيق (Siddiqi, 1983b, p. 89).

(37)    (Bryant, 1980; Diamond; Dyvbig, 1983) يفسرون وجود ودائع الطلب الحاملة للفائدة على أنه حل أمثل لحاجة المودعين إلى تأمين أنفسهم من خطر السيولة، مع تقديم عائد موجب (تفشل المكتنزات النقدية في الوصول إليه).

(38)    المبالغة في عدم توافق الآجال ملازمة للمصارف القائمة على الفائدة وذات الرافعة العالية. فقط قدرة المودعين على السحب بسرعة هي التي تحميهم من الاستغلال لصالح مساهمي المصرف (Flannery, 1994).

(39)    مأزق المصارف يصوره طلب أحد المودعين خلال تهافت على السحب في الثلاثينيات، يصوره كما يلي: "إذا كانت نقودي لديك فأنا لا أريدها، وإذا لم تكن لديك فأنا أريدها".

(40)    بالإضافة إلى ذلك، ما ينشأ من خدمة سحوبات المودعين يسهم في التهافت على السحب (Bryant, 1980; James, 1985, p. 80). وإذا لم يؤثر الموقع في الطابور على احتمال إعادة السداد، فإن المودعين لا يندفعون ليكونوا أول من يسحب.

(41)    الوضع مماثل لمشكلة سلعة عامة ... في الودائع بالقيمة الاسمية، يكون فيها للمودعين مطالبة ثابتة على حوض من الأصول. وعندما تكون قيمة الأصول أقل من قيمة المطالبات الثابتة، يكون للمودعين حافز لتحويل الحوض العام للأصول إلى أصول خاصة بسحب الأموال (Furlong and Keely, 1985, p. 223). هذه نتيجة غير مثلى، لأن المصرف قد يكون مليئًا، ولكنه غير سائل، وفيه رأس مال معلومات كمنشأة رائجة. ويوجد توازن "تهافت" مشابه غير أمثل عندما يشتبه في عدم ملاءة المنشأة، ويندفع الدائنون إلى طلب استرداد آمن، يؤدي إلى إفلاس مبكر.

(42)    هذا سيئ ؟؟؟؟ (Simons, 1948, p. 55)، وغير مستقر بصورة متأصلة (King and Goodhart 1989, p. 5). وانظر أيضًا (Goodhart, 1987, p. 83).

(43)    عندما لا يمكن تقدير جودة القرار الاستثماري بصورة لاحقة، بسبب إمكانية حدوث صدمات عشوائية خارجية، فإن سوق العمل الإداري سوف يقوّم الأداء بالنسبة لأداء مديرين آخرين. ومن ثم يكون من الحكمة بالنسبة لصانعي القرار الكارهين للمخاطرة "مجاراة التيار"، بدلاً من ارتكاب أخطاء في المخاطرة مفرطة في الحساسية (Scharfstein and Stein, 1990). وعليه فإن المصرفي ذا السمعة للأسف ليس هو الذي يتنبأ بالخطر ويتجنبه، بل هو الذي عندما يفلس إنما يفلس بطريقة تقليدية مع زملائه، بحيث لا يستطيع أحد أن يلومه حقًا (Keynes, 1931, p. 156; cf. Lavigton, 1922, pp. 32-3).

(44)    انظر (Kindleberger and Laffargue, 1982, p. 10; Goodhart, 1988, pp. 53-5).

(45)    في حين أن الحادثة السابقة نشأت من شهود مصرف غير ملي

______________________________________________________________________________________________________________________

 

 

مدونــة د. رفيـــق المصري

خيارات الصفحة

اضافة الموقع الى المفضلة
اضافة الصفحة الى المفضلة
طباعة الصفحة

كتب ذات صلة

بحوث ذات صلة

مقالات ذات صلة

حوارات ذات صلة

تحقيق / تحرير ذو صلة